– زينتشينكو: CBAM ستغير اقتصاديات تجارة الصلب اعتبارًا من 2029 و2030
– ستانيسلاف زينتشينكو: إعادة إعمار أوكرانيا قد تولد طلبًا على 40–70 مليون طن من الصلب
– زينتشينكو: من يملك الطاقة الأرخص والخامات الأفضل سيمتلك ميزة الصلب المستقبلية
– زينتشينكو: الهند القوة الصاعدة التي تعيد تشكيل سوق الصلب العالمي
صناعة الحديد والصلب بعد 10 إلى 15 عامًا لن تكون بالصورة التي نعرفها اليوم.. هكذا يقرأ ستانيسلاف زينتشينكو، الرئيس التنفيذي لـ GMK Center ورئيس لجنة البيئة والتنمية المستدامة في جمعية الأعمال الأوروبية، التحول الجاري في صناعة الصلب العالمية التي تنتقل تدريجيًا من نموذج السوق المفتوحة إلى أسواق أكثر إقليمية، تحت ضغط فائض الطاقات الإنتاجية، وتباطؤ نمو الطلب، وتصاعد الحماية التجارية، وارتفاع تكلفة الطاقة، ومتطلبات خفض الانبعاثات.
ويضع زينتشينكو الطلب على الصلب في قلب المعادلة معتبرًا أن المشكلة الأوروبية لا تتعلق بالواردات وحدها، بعدما تراجعت صادرات الاتحاد الأوروبي من الصلب بنحو 12% خلال 2025، وأصبحت القدرة التنافسية للمنتجين الأوروبيين أقل أمام الصين ودول رابطة آسيان وتركيا.
وفي المقابل، تتجه الهند إلى ترسيخ موقعها كأسرع أسواق الصلب نموًا عالميًا مع توقع استمرار نموها خلال السنوات العشر إلى العشرين المقبلة وزيادة تأثيرها في توازنات العرض والطلب العالمية، بينما تستمر صادرات الصين عند مستويات مرتفعة مع تراجع استهلاكها المحلي.
وتعيد الطاقة والخامات رسم خريطة الإنتاج؛ فمع التوسع في مسار DRI-EAF يمكن أن تصل حصة الطاقة إلى نحو 40% من تكلفة إنتاج الصلب عند استخدام الهيدروجين لتصبح الطاقة أحد أهم محددات القدرة التنافسية وموقع الإنتاج.
وفي المقابل تمنح تكلفة الطاقة المنخفضة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا فرصة للتحول إلى مركز رئيسي لإنتاج DRI وHBI، مع إمكانية تمتع HBI المنتج في المنطقة بميزة تكلفة تصل إلى نحو 100 يورو للطن مقارنة بالمنتجين الأوروبيين.
وفي سوق الخردة تتزايد القيود التجارية مع فرض 48 دولة قيودًا على صادراتها، وحظر 40% منها الصادرات بصورة كاملة، بينما تتجه أسعار الخردة الأوروبية إلى الارتفاع بنسبة تتراوح بين 15 و20% بنهاية 2026، وفق تقديرات زينتشينكو، بالتزامن مع توقعات بتراجع أسعار خام الحديد مع انخفاض إنتاج الصلب الصيني خلال 2026 و2027.
وتأتي أوكرانيا في قلب التحول بعدما أدى خروج مجمعات ماريوبول، وفي مقدمتها آزوفستال وإليتش التابعان لميتينفيست من الخدمة إلى فقدان طاقات إنتاجية كبيرة وخلق فجوة في إنتاج الصلب المسطح والقطاعات، ويرى زينتشينكو أن إعادة بناء الصناعة الأوكرانية لن تكون عودة إلى نموذج BF-BOF التقليدي، وإنما انتقالًا إلى صناعة منخفضة الكربون تستفيد من موارد خام الحديد والقرب من السوق الأوروبية، التي تستحوذ على نحو 90% من صادرات الصلب الأوكراني.
وتمنح إعادة الإعمار هذا التحول قاعدة طلب ضخمة؛ فاحتياجات الاستثمار في البنية التحتية الأوكرانية تقدر بنحو 500 مليار يورو بما يمكن أن يولد طلبًا على الصلب يتراوح بين 40 و70 مليون طن خلال فترة قد تمتد إلى عشر سنوات. وفي الوقت نفسه، يمكن لأوكرانيا الوصول بحلول 2030 إلى قدرة تصديرية تقارب 7 ملايين طن من مكورات خام الحديد المخصصة للاختزال المباشر.
وفي ملف التجارة والكربون يتوقع زينتشينكو أن يتضاعف تأثير CBAM خلال 2029 و2030 مع ارتفاع أسعار الكربون وتراجع التخصيصات المجانية للانبعاثات، فيما تتجه صناعة الصلب الأوروبية إلى تقليص الاعتماد على أفران الصهر وزيادة دور أفران القوس الكهربائي، بينما تتجه خريطة الإنتاج العالمية نحو فصل إنتاج الحديد عن الصلب، بحيث تنتقل مكورات الاختزال المباشر والـHBI من مناطق الطاقة والخامات التنافسية إلى مراكز إنتاج الصلب.
وبخبرة تقارب 20 عامًا في الاستشارات الصناعية، يركز منها نحو 8 أعوام على الحديد والصلب وإزالة الكربون والأسواق والسياسات الصناعية، يقدم زينتشينكو في حواره مع المركز الإعلامي للاتحاد العربي للحديد والصلب قراءة مباشرة للتحولات التي تعيد توزيع الإنتاج والتجارة والخامات والطاقة بين الصين وأوروبا والهند وأوكرانيا والشرق الأوسط وشمال أفريقيا.
عصر جديد لصناعة الصلب
صناعة الحديد والصلب العالمية أمام تحول هيكلي
• تشهد صناعة الحديد والصلب العالمية مرحلة شديدة التعقيد في ظل فائض الطاقات الإنتاجية، وضعف الطلب في عدد من الأسواق الكبرى، وتغير خريطة التجارة، وارتفاع تكاليف الطاقة، إلى جانب التوترات الجيوسياسية وتسارع جهود خفض الانبعاثات.. هل تعتقد أننا دخلنا بالفعل عصرًا جديدًا لصناعة الصلب؟ وما أبرز السمات التي ستحدد شكل الصناعة خلال العقد المقبل؟
بلا شك، تغيرت خريطة سوق الصلب العالمية بصورة جذرية خلال السنوات القليلة الماضية، وأعتقد أن صناعة الحديد والصلب بعد 10 إلى 15 عامًا لن تكون بالصورة التي نعرفها اليوم.
هناك مجموعة من الاتجاهات العالمية التي ستقود هذا التحول في مقدمتها تباطؤ نمو الطلب، وفائض الطاقات الإنتاجية، وتزايد الطابع الإقليمي للتجارة، وتسارع مسار خفض الانبعاثات، والسباق نحو الحصول على طاقة منخفضة التكلفة، إلى جانب اتجاه مهم يتمثل في فصل صناعة الحديد عن صناعة الصلب، بحيث يمكن إنتاج الحديد المختزل في مناطق تتمتع بمزايا تنافسية في الطاقة والخامات، ثم نقله إلى مناطق أخرى لإنتاج الصلب.
وتواجه الصناعة العالمية ما يمكن وصفه بـ _كماشة مزدوجة_؛ فمن ناحية هناك ضعف في ظروف السوق وارتفاع تكاليف الطاقة وفائض في الطاقات الإنتاجية، ومن ناحية أخرى، هناك حاجة ملحة إلى استثمارات ضخمة لتقليل الانبعاثات وتحقيق التحول الأخضر.
وهذا الوضع يدفع الحكومات بصورة متزايدة إلى تبني سياسات حمائية ودعم منتجي الصلب المحليين، بهدف خلق الظروف التي تسمح للصناعة بالحفاظ على قدرتها التنافسية وتمويل استثماراتها المستقبلية.
نحو تفكك تدريجي لسوق الصلب العالمي
• أصبحت تجارة الصلب أكثر ارتباطًا بالتعريفات الجمركية وإجراءات الحماية والتحقيقات الخاصة بمكافحة الإغراق، إلى جانب التشريعات الكربونية واتفاقيات التجارة الإقليمية.. هل نشهد بالفعل تحولًا تدريجيًا من سوق صلب عالمي مفتوح إلى أسواق إقليمية أكثر انعزالًا؟
نعم، أتفق مع هذا الطرح.. إقليمية تجارة الصلب أصبحت اتجاهًا عالميًا واضحًا.
فمن ناحية تمثل هذه السياسات محاولة لحماية الأسواق المحلية من تنامي الواردات والمنافسة الخارجية. ومن ناحية أخرى فهي انعكاس للتحولات في السياسات الاقتصادية لدى الدول المتقدمة، حيث أصبحت الأفكار الحمائية أكثر حضورًا في القطاعات الصناعية، بالتزامن مع التحولات السياسية نحو اليمين في عدد من هذه الدول.
واللافت أن هذا الاتجاه لا يتراجع حتى عندما تتحسن ظروف السوق بل على العكس عندما تدخل الاقتصادات في دورات تباطؤ، نشهد عادة زيادة في الإجراءات الرامية إلى تقييد الواردات.
لم يعد هناك الكثير من الأسواق المفتوحة بالكامل في العالم، ومع كل حاجز تجاري جديد تزداد الضغوط على الأسواق التي ما زالت تحافظ على انفتاحها.
كما ظهرت صورة جديدة من الحواجز التجارية يتم تبريرها بأهداف المناخ، وأبرز مثال على ذلك آلية تعديل الكربون على الحدود الأوروبية CBAM بدأت هذه الآلية في الاتحاد الأوروبي، لكنها أصبحت محل اهتمام ودراسة من دول أخرى مثل كندا وأستراليا والولايات المتحدة وفيتنام.
الضغط التصديري الصيني
• أصبحت صادرات الصين من الصلب مصدر قلق رئيسيًا لمنتجي الصلب في العديد من المناطق.. هل تتوقع استمرار صادرات الصين عند مستويات مرتفعة بصورة هيكلية، أم أن التغيرات الاقتصادية والصناعية داخل السوق الصينية قد تقود إلى تراجع كبير في الصادرات؟
نتوقع أن تظل صادرات الصين من الصلب مرتفعة.
الحكومة الصينية لا تتجه حاليًا إلى اتخاذ إجراءات توجيهية صارمة لخفض الإنتاج أو تقييد الصادرات، وفي الوقت نفسه أصبح اتجاه تراجع الاستهلاك المحلي واضحًا.
ولا يقتصر هذا التراجع على قطاع البناء والتشييد بل يمتد أيضًا إلى الاستثمارات الرأسمالية ومبيعات السيارات داخل السوق الصينية.
وبالتالي فإن اختلال التوازن بين العرض والطلب في السوق الصينية سيواصل دفع كميات كبيرة من الصلب نحو الأسواق الخارجية، ولا نرى في السنوات القليلة المقبلة عوامل كافية يمكن أن تقلب هذا الاتجاه بصورة جوهرية.
الولايات المتحدة ونموذج جديد للحماية الصناعية
• تستخدم الولايات المتحدة بصورة متزايدة التعريفات الجمركية وغيرها من أدوات السياسة التجارية لحماية صناعة الصلب المحلية.. هل ترى أن واشنطن تؤسس لنموذج جديد للحماية الاستراتيجية لصناعة الصلب؟ وهل يمكن أن تحذو دول ومناطق أخرى حذوها؟
نعم الولايات المتحدة كانت من أوائل من دفعوا باتجاه إقليمية تجارة الصلب منذ عام 2018، وأصبح نموذجها اليوم مرجعًا لسياسات عدد من الدول والمناطق الأخرى.
والاتحاد الأوروبي تبنى بدوره هذا الاتجاه عندما اقترح نظامًا أكثر تشددًا للحد من واردات الصلب، من خلال الحصص التعريفية الجمركية TRQs.
ولكي تنجح مشروعات الصلب منخفض الكربون في أوروبا أثبت تسعير الكربون والتمويل العام وحدهما أنهما غير كافيين فالمشروعات تحتاج إلى ظروف سوقية مستقرة وطويلة الأجل تضمن إمكانية استرداد الاستثمارات التي تصل إلى مليارات الدولارات.
وفي ظل مستويات الأسعار الحالية، يصبح تحقيق ذلك أمرًا بالغ الصعوبة، لذلك فإن حماية السوق الأوروبية تخلق من وجهة نظر صناع السياسات الظروف التي يحتاجها منتجو الصلب لتنفيذ استثماراتهم.
الهند أيضًا تتجه إلى حماية سوقها المحلية، كما نشهد نشاطًا متزايدًا في تحقيقات مكافحة الإغراق في تركيا.
أوروبا تحت الضغط
• يواجه منتجو الصلب الأوروبيون مزيجًا من ارتفاع أسعار الطاقة، وضعف الطلب، والمنافسة من الواردات، والتكاليف الهائلة للتحول إلى إنتاج منخفض الكربون.. هل تستطيع أوروبا الحفاظ على قدرتها التنافسية كمنطقة رئيسية لإنتاج الصلب عالميًا في ظل هذه الظروف؟
القدرة التنافسية للصلب الأوروبي تتراجع، ولا يقتصر الأمر على الصلب وحده، بل يمتد أيضًا إلى المنتجات النهائية والقطاعات التي تعتمد عليه.
وقد رأينا مؤشرًا واضحًا على ذلك في عام 2025، عندما تراجعت صادرات الاتحاد الأوروبي من الصلب بنحو 12%.
في بيئة الأسعار الحالية لا تستطيع أوروبا ببساطة منافسة الصين ودول رابطة آسيان وتركيا في الأسواق العالمية.
ولهذا، ستتركز فرص التصدير الأوروبية بصورة أكبر في المنتجات عالية القيمة المضافة .
وينبغي أن يكون التركيز على تطوير منتجات جديدة مثل أنواع الصلب خفيفة الوزن وعالية المقاومة والقابلة للتشكيل.
وتتمتع الشركات الأوروبية بقدرات قوية في البحث والتطوير ويمكنها استثمار هذه الميزة لتقديم منتجات وتقنيات متقدمة إلى الأسواق العالمية.
ما الذي تحتاجه أوروبا فعلًا؟
• في رأيك، ما أكبر خطأ يمكن أن ترتكبه أوروبا في التعامل مع صناعة الصلب في المرحلة الحالية؟ وما الأولويات التي ينبغي أن تركز عليها السياسات الأوروبية بدلًا من ذلك؟
الاتحاد الأوروبي يتجه إلى الحد من المنافسة لحماية منتجي الصلب المحليين، لكن المشكلة الأساسية لا تكمن في الواردات وحدها، وإنما في ركود الطلب على الصلب.
صحيح أن القيود على الواردات بدأت بالفعل في رفع الأسعار، وربما لا نكون قد وصلنا بعد إلى الحد الأقصى لهذا الارتفاع، لكن ارتفاع هوامش الربح سيشجع على إعادة تشغيل طاقات إنتاجية غير كفؤة كانت قد توقفت في السابق، وبمجرد أن يبدأ المعروض المحلي في الارتفاع ستتجه الأسعار مرة أخرى إلى الانخفاض لأننا لا نرى مؤشرات على تحسن كبير في الطلب.
وسيقود ذلك إلى المطالبة بمزيد من القيود على الواردات، ثم مزيد من القيود، وهكذا، إنها حلقة مفرغة دخلت الولايات المتحدة بالفعل في جزء منها.
القضية الأساسية إذن هي الطلب على الصلب.
ومن المنطقي أن تركز أوروبا على تحفيز القطاعات المستهلكة للصلب والتي بدأت اليوم تفقد مواقعها أمام الصين، وأعتقد أن السلطات الأوروبية تدرك هذه المشكلة جيدًا ولذلك أعلنت عدة دول خططًا للتوسع المالي وزيادة الاستثمارات في البنية التحتية.
كما تم الإعلان عن خطة عمل لقطاع السيارات، ومع مرور الوقت، يفترض أن تبدأ هذه الإجراءات في تحسين الوضع تدريجيًا.
الهند.. مصدر النمو الجديد للمعروض العالمي
تتوسع الهند بسرعة في إنتاج الصلب، وتمتلك خططًا طموحة لإضافة طاقات إنتاجية جديدة.. هل يمكن أن تصبح الهند أهم مصدر لنمو المعروض العالمي من الصلب خارج الصين؟ وكيف يمكن أن ينعكس ذلك على أسواق أوروبا والشرق الأوسط وشمال أفريقيا وآسيا؟
نعم هذا هو الاتجاه الذي نتوقعه.
الهند هي أسرع أسواق الصلب نموًا في العالم، وسيظل الأمر كذلك على الأرجح خلال السنوات العشر إلى العشرين المقبلة، ومع توسع حجم السوق الهندية، سيزداد تأثيرها في صناعة الصلب العالمية بصورة تدريجية.
لكن القضية الرئيسية تكمن في تقلبات العلاقة بين العرض والطلب، فدخول طاقات إنتاجية جديدة إلى الخدمة لا يتزامن دائمًا مع فترات نمو الطلب. وهناك أيضًا عامل الموسمية؛ فعندما يضعف الطلب في السوق المحلية الهندية، ترتفع الصادرات.
وهذه التقلبات تمثل أحد المخاطر التي يجب أن تراقبها صناعة الصلب العالمية خلال السنوات المقبلة.
أوكرانيا ومستقبل صناعة الصلب الأوروبية
كانت أوكرانيا تاريخيًا إحدى أهم دول أوروبا في إنتاج خام الحديد والصلب.. في مرحلة إعادة الإعمار، هل ينبغي للصناعة الأوكرانية أن تستعيد نموذجها التقليدي، أم أن الفرصة أصبحت مواتية لبناء صناعة جديدة أكثر حداثة وأقل انبعاثًا للكربون؟
أوكرانيا لا تملك خيارًا آخر سوى التحول إلى صناعة صلب منخفضة الكربون.
وهذا الأمر ضروري من زاويتين: الأولى مرتبطة بآلية CBAM الأوروبية، والثانية بمسار اندماج أوكرانيا اقتصاديًا وصناعيًا مع الاتحاد الأوروبي.
وتعمل أوكرانيا حاليًا على تطوير قانون لنظام وطني لتجارة الانبعاثات، بما يعني الانتقال تدريجيًا إلى مستويات لتسعير الكربون قريبة من تلك المعمول بها في الاتحاد الأوروبي.
وفي ظل هذه الظروف سيكون من الصعب على نموذج الإنتاج التقليدي القائم على أفران الصهر ومحول الأكسجين (BF-BOF) الاستمرار بالصيغة الحالية.
وبالطبع، يمثل التحول الأخضر تحديًا كبيرًا أمام صناعة الصلب الأوكرانية، ويتطلب نجاحه ثلاثة عناصر أساسية: القدرة على الوصول إلى تمويل أوروبي منخفض التكلفة، وتوفير طاقة بأسعار تنافسية، ووجود إطار تنظيمي حكومي فعال.
قبل اندلاع الحرب كانت جميع شركات الصلب الأوكرانية قد وضعت خططًا لخفض الانبعاثات وإزالة الكربون. وقد توقفت هذه الخطط مؤقتًا بسبب الحرب، لكننا نعتقد أنه بمجرد انتهائها ستكون الشركات مستعدة لإعادة إطلاق مشروعات التحول.
ومن السابق لأوانه تحديد المسار التكنولوجي النهائي الذي ستتبعه أوكرانيا، خصوصًا أن حتى الاستراتيجيات الأوروبية نفسها تخضع لإعادة النظر.
من ناحية تمتلك أوكرانيا موقعًا قويًا للغاية لتطوير إنتاج الحديد المختزل المباشر DRI ومن ناحية أخرى، أعلنت عدد من الشركات عن دراسات جدوى لمشروعات تعتمد على أفران القوس الكهربائي EAF .
فعلى سبيل المثال، أعلنت شركة إنتربايب (Interpipe) الأوكرانية الرائدة عالمياً في صناعة أنابيب الصلب ومنتجات السكك الحديدية، خططًا لزيادة طاقة أفران القوس الكهربائي ودخول قطاع المنتجات المسطحة، بينما أعلنت شركة دنيبرو للميتالورجيا DMZ وهي شركة أوكرانية متخصصة في صناعة الحديد والصلب والمنتجات المعدنية -متوقفة حاليًا- عن نيتها دراسة إنشاء فرن قوس كهربائي.
إعادة إعمار أوكرانيا.. فرصة صناعية ضخمة
• ستحتاج إعادة إعمار أوكرانيا إلى كميات هائلة من الصلب ومواد البناء والمنتجات الصناعية.. هل يمكن أن تمثل إعادة الإعمار فرصة جديدة لإحياء صناعة الصلب الأوكرانية؟ وما الذي تحتاجه الصناعة لكي تستعيد قدرتها على المنافسة عالميًا؟
شكرًا لكم على هذا السؤال. . تواجه أوكرانيا احتياجات هائلة من الاستثمارات في البنية التحتية ليس فقط لإعادة بناء الأصول والمنشآت التي دمرتها الحرب، ولكن أيضًا لاستبدال وتجديد البنية التحتية المتقادمة التي تعود إلى الحقبة السوفيتية.
ووفقًا لتقديرات الحكومة الأوكرانية تبلغ احتياجات الاستثمار في البنية التحتية نحو 500 مليار يورو وهو رقم ضخم للغاية، ويمثل في الوقت نفسه فرصة هائلة لخلق طلب على الصلب.
وبالاستناد إلى كثافة استخدام الصلب في مشروعات البنية التحتية التي نفذتها الصين خلال السنوات العشر الماضية يمكن أن يتراوح الطلب على الصلب اللازم لبرامج إعادة بناء البنية التحتية في أوكرانيا بين 40 و70 مليون طن، موزعة على فترة قد تمتد إلى عشر سنوات.
ومن غير الممكن إجراء تقديرات أكثر دقة في الوقت الحالي، نظرًا لعدم توافر خطط تفصيلية ومحددة لإعادة الإعمار إلا أن هذه الأرقام رغم ذلك تعطي تصورًا واضحًا عن حجم الطلب المحتمل وضخامة الفرصة المتاحة.
الإمكانات هائلة لكن توفير الإمدادات اللازمة قد يمثل تحديًا في حد ذاته خاصة أن بعض المنتجات، مثل الصلب المسطح وقطاعات الصلب لا يتم إنتاجها حاليًا في أوكرانيا نتيجة فقدان طاقات إنتاجية كبيرة في ماريوبول _ ” وتُمثل مدينة ماريوبول الساحلية المطلة على بحر آزوف العاصمة التاريخية لقطاع التعدين الأوكراني حيث كانت تضم بمينائها الإستراتيجي قلاعاً صناعية عملاقة مسؤولة وحدها عن إنتاج أكثر من ثلث المعادن في البلاد، وتركز هذا الثقل العالمي في مصنعين رئيسيين يتبعان مجموعة (ميتينفست): أولهما مصنع آزوفستال الذي تجاوز إنتاجه السنوي 4 ملايين طن من الصلب الخام المخصص لبناء السفن والجسور الدولية العملاقة وقضبان السكك الحديدية؛ وثانيهما مصنع إليتش الذي احتوى على أكبر مجمع لتلبيد خام الحديد في أوروبا.
وتميزت مصانع ماريوبول بإنتاج غاز النيون النقي كمنتج ثانوي وهو مادة حيوية تصدرها عالمياً لصناعة أشباه الموصلات والرقائق الإلكترونية المتطورة ، ومع اندلاع الحرب وحصار المدينة عام 2022 خرجت ماريوبول بالكامل من الخدمة نتيجة تعرض بنيتها التحتية وأفران صهرها لقصف مدفعي وجوي مكثف دمر خطوط إنتاجها بالكامل، وتحول مصنع (آزوفستال) تحديداً إلى ساحة معارك عنيفة بسبب شبكة أنفاقه المحصنة تحت الأرض حتى سقطت المدينة تحت السيطرة الروسية، مما جعل إعادة إحياء المجمع الصناعي أمراً شبه مستحيل وتوجهت السلطات لإلغاء طبيعته التعدينية.
هذا الشلل التام مَثَّل صدمة هيكلية للاقتصاد الأوكراني إذ حُرمت البلاد من بوابتها التصديرية الرئيسية وركيزتها الصناعية الأولى، مما أحدث فجوة إنتاجية ضخمة دفعت الشركات في المدن الأخرى لإعادة ترتيب أولوياتها بالكامل_.”
أوكرانيا وسلاسل القيمة الأوروبية
• هل يمكن لاندماج أوكرانيا في المنظومة الصناعية الأوروبية أن يخلق سلسلة قيمة جديدة للصلب تربط بين مواردها من الخامات وقدراتها الإنتاجية والأسواق الأوروبية؟
أوكرانيا كانت دائمًا جزءًا من سلاسل التوريد الأوروبية لكن هذه العلاقة تعززت بصورة كبيرة منذ عام 2022، وأصبح الاتحاد الأوروبي عمليًا السوق التصديرية الرئيسية بل شبه الوحيدة لمنتجي الصلب الأوكرانيين، حيث يستحوذ على ما يصل إلى 90% من صادراتهم.
كما يتقدم اندماج صناعة الصلب الأوكرانية في أوروبا من خلال عمليات الاستحواذ والاندماج M&A، إذ تتجه شركات أوكرانية إلى شراء أصول صناعية أوروبية.
وشهد عام 2025 عددًا من صفقات الاندماج والتكامل الاقتصادي من بينها استحواذ شركتي إنتربايب (Interpipe) وميتينفست (Metinvest) الأوكرانيتين على مصانع أنابيب تقع داخل أراضي الاتحاد الأوروبي (European Union)وجاءت هذه الخطوة الإستراتيجية بهدف الانتقال إلى مراحل أكثر تقدمًا في سلسلة القيمة، وضمان النفاذ المباشر والآمن لمنتجاتهما داخل الأسواق الأوروبية المستهدفة بعيدًا عن القيود الجمركية.
كما تعمل شركة ميتينفست (Metinvest)—وهي عملاق التعدين وصناعة الصلب الأوكراني—على تنفيذ مشروع لإنشاء مصنع متطور يعتمد على تقنية الحديد المختزل وأفران القوس الكهربائي (DRI-EAF) في إيطاليا، وكانت الشركة أيضًا من بين الأطراف المهتمة بالاستحواذ على عدد من الأصول الصناعية الأوروبية الأخرى، لكن إدخال نظام الحصص التعريفية TRQs في يوليو أدى إلى تقييد صادرات أوكرانيا بصورة حادةبانخفاض بلغ نحو 60% مقارنة بعام 2025.
وعلى الرغم من التفضيلات التي كان يفترض أن تحصل عليها أوكرانيا، فإنها تضررت عمليًا من نظام الحصص أكثر من دول أخرى.
ويظهر ذلك بوضوح في تراجع إنتاج الصلب الأوكراني بنسبة 35% على أساس شهري في يوليو، وكان نظام الحصص أحد العوامل الرئيسية وراء هذا التراجع.
وبالتأكيد، فإن استمرار هذه القيود يعرقل اندماج الشركات الأوكرانية بصورة أعمق في سلاسل القيمة الأوروبية.
الميزة الطبيعية لأوكرانيا
• تمتلك أوكرانيا احتياطيات مهمة من خام الحديد، وخبرة صناعية متراكمة، وموقعًا جغرافيًا قريبًا من أوروبا.. هل يمكن لهذه المزايا أن تجعلها موردًا رئيسيًا لأوروبا من الحديد منخفض الكربون وDRI وHBI والصلب؟
في الظروف السوقية المناسبة تستطيع شركات التعدين الأوكرانية حاليًا توفير ما يصل إلى 3.3 مليون طن من مكورات خام الحديد المخصصة للاختزال المباشر DR-grade pellets للسوق العالمية.
“وتأتي هذه الإمكانات الإنتاجية من المجمعات التعدينية التابعة لشركة ميتينفست عملاق التعدين وصناعة الصلب—إلى جانب شركة فيريكسبو (Ferrexpo)، وهي أحد أكبر المنتجين والمصدرين العالميين لمكورات خام الحديد عالي الجودة، والتي لا تزال منشآتها متوقفة عن العمل حاليًا.
وهناك مشروع آخر تابع لـMetinvest، يجري البحث عن شريك استثماري له، ويستهدف إنتاج نحو 4 ملايين طن من مكورات خام الحديد المخصصة للاختزال المباشر.
وبالتالي يمكن لأوكرانيا بحلول عام 2030 أن تصل إلى قدرة تصديرية تبلغ نحو 7 ملايين طن من مكورات DR للسوق العالمية.
لكن الإمكانات طويلة الأجل لأوكرانيا أكبر بكثير، فمع إمكانية الوصول إلى إنتاج لا يقل عن 20 مليون طن من مواد التغذية المخصصة للاختزال المباشر على المدى الطويل، يمكن لأوكرانيا أن تلعب دورًا حاسمًا في تحقيق التوازن في سوق مكورات الاختزال المباشر عالميًا.
هل تعود أوكرانيا إلى أسواق الشرق الأوسط وشمال أفريقيا؟
• قبل اضطراب حركة التجارة عبر البحر الأسود، كانت الخامات والمنتجات الأوكرانية تتمتع بحضور مهم في أسواق الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.. هل تتوقع عودة الإمدادات الأوكرانية إلى الأسواق العربية بقوة بعد انتهاء الحرب؟ وأي الدول العربية يمكن أن تصبح شريكًا رئيسيًا لأوكرانيا؟
سوق الشرق الأوسط وشمال أفريقيا من أسرع أسواق الصلب نموًا في العالم، ولذلك يحظى باهتمام كبير.
لكن في الظروف الحالية ومع ارتفاع تكلفة الطاقة في أوكرانيا، وارتفاع تكاليف الخدمات اللوجستية، والتحديات العديدة المرتبطة بالحرب سيكون من غير الواقعي توقع عودة الصادرات الأوكرانية إلى مستويات كبيرة.
كما أن المنافسة في أسواق منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا مع المنتجات القادمة من الصين وروسيا وتركيا ستكون صعبة بالنسبة للموردين الأوكرانيين.
وبعد انتهاء الحرب قد تؤدي برامج إعادة الإعمار نفسها إلى تقليص الحافز للتصدير، لأن المصانع المحلية ستحتاج إلى زيادة إمداداتها للسوق الأوكرانية.
لذلك قد يكون الحفاظ على الوجود في أسواق منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا مهمًا لاستمرار العلاقات التجارية، لكن من غير المرجح أن تصل الأحجام إلى مستويات كبيرة في المدى القريب.
الخامات وDRI وHBI والخردة
سباق جديد على الخامات
• مع انتقال صناعة الصلب نحو تقنيات أقل انبعاثًا يتزايد الطلب على خامات الحديد عالية الجودة، ومكورات الاختزال المباشر، والخردة، وربما الحديد المقولب على الساخن HBI هل يمكن أن تتحول إتاحة الخامات عالية الجودة إلى إحدى أهم المزايا التنافسية لصناعة الصلب خلال العقد المقبل؟
بالتأكيد نشهد بالفعل سباقًا عالميًا على تأمين الخامات بما يضمن استدامة إنتاج الصلب في ظل التحولات التكنولوجية، ويأتي السكراب في مقدمة هذه الخامات ولهذا أصبحت القيود على تصديره اتجاهًا عالميًا متزايدًا.
المشكلة أن أحدًا لا يعرف على وجه الدقة قدرة كل اقتصاد على توليد الكميات المطلوبة من الخردة، فالخردة ليست سلعة يمكن ببساطة إنتاج أي كمية منها بمجرد ضخ الاستثمارات. كما أن هناك حالة من عدم اليقين بشأن مستويات الطلب المستقبلية.
ومع ذلك فإن مساري DRI وEAF يتمتعان اليوم بدرجة من المرونة، ونعتقد أن السوق العالمية ستتمكن في النهاية من إيجاد توازن في إمدادات الخامات، لكن العامل الحاسم في تحديد القدرة التنافسية سيكون سعر الطاقة.
فعند الانتقال إلى مسار DRI-EAF باستخدام الهيدروجين ستزداد كثافة استهلاك الطاقة في صناعة الصلب بنحو ثمانية أضعاف، بينما سترتفع حصة الطاقة من تكلفة إنتاج الصلب إلى نحو40 % .
وبالتالي ستتحول الطاقة إلى أهم مادة خام في صناعة الصلب لتحل تدريجيًا محل الأهمية التقليدية لكل من خام الحديد والفحم من حيث تأثيرها على التكلفة.
الخردة.. من سلعة عالمية إلى مادة استراتيجية؟
• مع توسع إنتاج الصلب عبر أفران القوس الكهربائي، ستزداد المنافسة على الخردة عالية الجودة.. هل يمكن أن تتحول الخردة إلى سلعة استراتيجية تضاهي خام الحديد من حيث الأهمية؟ وهل يمكن لقيود تصدير الخردة أن تعيد تشكيل خريطة تجارة الصلب عالميًا؟
نعم نعتقد أن الخردة ستتحول تدريجيًا إلى مادة ذات طابع محلي في المقام الأول.
خلال السنوات الأخيرة تحركت تجارة الخردة العالمية حول مستوى يقارب 100 مليون طن، وهو حجم ليس كبيرًا، والأهم أنه لا ينمو بالسرعة التي نتوقعها رغم زيادة إنتاج الصلب عالميًا وارتفاع حصة الأفران الكهربائية تدريجيًا.
حاليًا فرضت 48 دولة قيودًا على تصدير الخردة، بينما حظرت 40% منها الصادرات بصورة كاملة.
وقد هدأت المناقشات داخل الاتحاد الأوروبي الذي يعد أحد أكبر مصدري الخردة عالميًا في الوقت الحالي، لكنها قد تعود فور ارتفاع أسعار الخردة، فتشديد الحصص التعريفية في أوروبا سيحتاج إلى زيادة إنتاج الصلب داخل الاتحاد الأوروبي، وهو ما سيؤدي بدوره إلى زيادة الطلب على الخردة.
ونتوقع أن ترتفع أسعار الخردة في الاتحاد الأوروبي بنحو 15–20 % بحلول نهاية العام مقارنة بالمستويات الحالية، وسيكون التأثير الأكبر من نصيب تركيا، باعتبارها من كبار مستوردي الخردة عالميًا.
لكن في المقابل، قد يؤدي ذلك إلى خلق بيئة مواتية لزيادة صادرات المنتجات نصف المصنعة من الصلب من آسيا.
وأعتقد أننا سنشهد خلال عامي 2026 و2027 تطورًا مثيرًا للاهتمام: تراجع أسعار خام الحديد بالتزامن مع انخفاض إنتاج الصلب في الصين، مقابل احتمال قوي لارتفاع أسعار الخردة.
DRI وHBI.. أين ستكون مراكز الإنتاج العالمية؟
• يتزايد الدور الذي يلعبه الحديد المختزل المباشر DRI والحديد المقولب على الساخن HBI في التحول نحو إنتاج صلب منخفض الكربون.. ما المناطق التي ترى أنها الأكثر تأهلًا لتصبح مراكز عالمية لإنتاج DRI وHBI؟
من المرجح جدًا أن يحدث في المستقبل فصل بين إنتاج الحديد وإنتاج الصلب.
وتتمتع مناطق مثل الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بفضل قدرتها على الوصول إلى الطاقة منخفضة التكلفة، بمزايا واضحة لتطوير مشروعات DRI وHBI .
وإذا تحدثنا عن إنتاج DRI المعتمد على الغاز الطبيعي فإن تقديراتنا تشير إلى أن HBI المنتج في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا يمكن أن يتمتع بميزة تكلفة تصل إلى نحو 100 يورو للطن مقارنة بالمنتجين الأوروبيين.
ونحن نرى بالفعل بداية لهذا الاتجاه في أوروبا، فعلى الرغم من أن مسار DRI-EAF أصبح، نظريًا، المسار المهيمن في خطط إزالة الكربون الأوروبية، فإن شركات الصلب بدأت عمليًا في تنفيذ تحولها من خلال مشروعات أفران القوس الكهربائي EAF ، مع توقع الاعتماد على استيراد الحديد المكبوس على الساخن HBI الأقل تكلفة.
كما ستدعم CBAM الطلب على HBI، إذ يمكن أن يتمتع الحديد المقولب على الساخن بميزة في تكلفة الكربون تصل إلى نحو 110 يورو للطن مقارنة بالحديد الغفل.
ومع ارتفاع تكلفة الانبعاثات سيصبح الحديد الغفل أكثر تكلفة، وقد يفقد قدرته على المنافسة أمام HBI في بعض الأسواق.
مستقبل أفران القوس الكهربائي
• هل تتوقع أن تتجه صناعة الصلب العالمية بصورة حاسمة نحو زيادة الاعتماد على أفران القوس الكهربائي EAF، أم أن أفران الصهر التقليدية ستظل مهيمنة لفترة أطول مما يتوقعه كثير من المحللين؟
وفقًا لتقديراتنا سيتراجع إنتاج الصلب عبر أفران الصهر في الاتحاد الأوروبي بصورة كبيرة خلال السنوات العشر إلى الخمس عشرة المقبلة.
وسنشهد في أوروبا خروجًا تدريجيًا لأفران الصهر من الخدمة مع انتهاء التراخيص والحاجة إلى إجراء عمليات إحلال وتجديد رئيسية، كما سيؤدي ارتفاع أسعار الكربون إلى زيادة الضغوط على هذا المسار الإنتاجي.
لكن على المستوى العالمي لا نرى الأسباب نفسها التي تدفع إلى مثل هذا التحول الكبير في الوقت الحالي، ولذلك سيظل مسار الفرن العالي حاضرًا في العديد من الأسواق لفترة أطول.
الصلب الأخضر.. بين الطموح والجدوى الاقتصادية
• يشهد العالم إعلانات ضخمة عن استثمارات في الصلب الأخضر لكن الصناعة لا تزال تواجه ارتفاع التكاليف وعدم وضوح الطلب.. متى تتوقع أن يصبح الصلب منخفض الكربون منافسًا اقتصاديًا بصورة تجارية، من دون الاعتماد الكبير على الدعم الحكومي؟
نشهد بالفعل عددًا كبيرًا من الإعلانات المتعلقة بالاستثمار في الصلب الأخضر، لكن قرارات الاستثمار الفعلية التي تم اتخاذها يمكن عدّها على أصابع اليد الواحدة، هناك بالفعل مشكلة حقيقية تتعلق بالقدرة التنافسية.
مسار DRI-EAF منطقي من الناحية الاقتصادية لكنه يكون مجديًا بصورة أكبر في مناطق محددة تتمتع بطاقة منخفضة التكلفة.
وفي الوقت الحالي هناك حالة من التباطؤ في تنفيذ عدد من المشروعات التي سبق الإعلان عنها، ولا أعتقد أننا سنشهد كميات كبيرة من HBI أو الصلب منخفض الكربون القادم من منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا خلال السنوات الخمس المقبلة.
أما إنتاج الصلب عبر EAF باستخدام الخردة فيبدو مجديًا اقتصاديًا بالفعل في الوقت الحالي.
لكن ارتفاع أسعار الخردة يمكن أن يقلص الميزة الاقتصادية لهذا المسار مقارنة بالفرن العالي، حتى مع احتساب تكلفة الكربون، ومن دون دعم حكومي، قد لا يتحقق التوازن الاقتصادي الكامل بين هذه المسارات قبل عام 2030، عندما تبدأ كميات كبيرة من HBI في الظهور في السوق العالمية.
من سيدفع فاتورة إزالة الكربون؟
• يتطلب تحول صناعة الصلب إلى إنتاج منخفض الكربون استثمارات رأسمالية ضخمة.. من يتحمل في النهاية تكلفة هذا التحول: شركات الصلب، أم الحكومات، أم المستهلكون، أم المؤسسات المالية؟ أم أن الأمر يتطلب نموذجًا تشاركيًا يجمع بين هذه الأطراف؟
هذا سؤال مهم، وقد شهدنا بالفعل نماذج مختلفة.
لدينا على سبيل المثال النموذج الأمريكي حيث يتحمل المستخدم النهائي جزءًا كبيرًا من تكلفة الاستثمار بصورة غير مباشرة من خلال التعريفات الجمركية.
فالتعريفات ترفع أسعار الصلب في السوق المحلية، وتوفر هوامش ربح أعلى للمنتجين، وبالتالي تمنح شركات الصلب مصدرًا لتمويل استثماراتها.
أما النموذج الأوروبي، فقد اعتمد في البداية على مشاركة القطاع العام في تمويل المشروعات، بمتوسط يقارب 40% من التمويل، بمعنى آخر، كانت الدولة الأوروبية تتحمل فعليًا جزءًا كبيرًا من تكلفة التحول الأخضر.
لكننا نشهد الآن عودة الاتحاد الأوروبي أيضًا إلى النموذج الأمريكي، من خلال فرض تعريفات جمركية وإجراءات حماية تجارية خاصة به.
CBAM ..هل تغير قواعد اللعبة؟
• أصبحت آلية تعديل الكربون على الحدود الأوروبية CBAM عاملًا مؤثرًا في اقتصاديات تجارة الصلب.. هل تعتقد أنها ستؤدي بالفعل إلى تسريع خفض الانبعاثات عالميًا، أم أنها قد تدفع الإنتاج ببساطة نحو المناطق التي تتمتع بطاقة أرخص وتكاليف إنتاج أقل؟
حتى الآن لم تتحول CBAM إلى عامل يغير قواعد اللعبة بصورة كاملة، ولا يزال معظم الموردين التقليديين يواصلون التصدير إلى السوق الأوروبية.
وكان العامل السلبي الأكبر حتى الآن هو حالة عدم اليقين المرتبطة بتطبيق الآلية وتطوراتها المستقبلية.
لكن تأثير CBAM سيصبح أكبر بكثير خلال عامي 2029 و2030، بالتزامن مع ارتفاع أسعار الكربون والتراجع التدريجي في التخصيصات المجانية للانبعاثات.
وقد يكون التأثير واضحًا بصورة خاصة في قطاعات المنتجات الطويلة والحديد الغفل.
أما في قطاع المنتجات المسطحة، فما زالت إتاحة المنتجات منخفضة الكربون محدودة للغاية، وبالتالي فإن الزيادة في تكلفة الواردات يجري تمريرها في النهاية إلى أسعار المنتجات النهائية.
وهذا يعني أن تأثير CBAM لن يكون مجرد مسألة مرتبطة بتكلفة الاستيراد، بل سيمتد تدريجيًا إلى هيكل الأسعار والقدرة التنافسية وسلاسل التوريد العالمية للصلب.






















