>>سلعة في السوق العالمية..ودليل علمي في المختبرات.. ورمز قوة في البحرية الأمريكية
>> يجسد انهيار رمز الحلم الأمريكي و حطاما عالقا بالذاكرة الوطنية
>> محاولات لاستنساخ التوأمين في 90 دولة بتراخيص من رابطة مراكز التجارة العالمية
القاهرة – محمد عبد الخالق مساهل
المركز الإعلامي للاتحاد العربي للحديد والصلب
كان برجا مركز التجارة العالمي يناطحان سحب مانهاتن في الحي المالي بمدينة نيويورك، في صباح الحادي عشر من سبتمر 2001، كأحد أكثر رموز القوة الاقتصادية والصناعية بروزا في العالم الحديث، كان هذ ا آخر صباح لهما قبل أن يتحولا إلى أثر بعد عين .
كان الصلب هو الهيكل الصامت وراء ذلك المشهد لكنه كان يحكي كل شئ بالتفصيل..آلاف الأعمدة والكمرات والقطاعات الإنشائية تنساقت وتشابكت في منظومة هندسية هائلة، تحمل الطوابق والمكاتب وآلالاف العاملين، وترفع المبنيين إلى أكثر من 400 متر فوق الأرض.
كان هذا الصلب من النوع عالي الجودة، ويشكل آنذاك جزءاً من مبنى ، وكان المبنى جزءاً من مدينة، وكانت المدينة جزءاً من صورة أمريكا التي يعرفها العالم والتي كان عنوانها الحلم الأمريكي .
جسد البرجان صورة هذا الحلم الراسخ في العقل الأمريكي بكل معنى، إنه ذلك الاعتقاد بأن الإنسان يستطيع أن يبدأ من نقطة قصية بعيدة، و أن يصعد بعلمه وعمله وطموحه، وأن يحول الفرصة إلى نجاح، والنجاح إلى حياة أفضل .
بدا انهيار البرجين في 11 سبتمبر 2001 ، فضلا عن كونه انهياراََ معمارياََ ، أنه يجسد انهيار أحد رمزا أمريكا طبقت شهرته الآفاق .
لكن قصة الصلب الذي كان يحمل البرجين تقدم مفارقة جديدة اقتحمت ذلك الحلم وأصابت العقل الأمريكي بالذهول على مدى ربع قرن مضى.
خرج الصلب من قلب مانهاتن حطاماََ مبعثرة ، ثم عاد إلى العالم سلعة، وإلى الذاكرة أثراََ، وإلى البحرية الأمريكية جزءاََ من سفينة تحمل اسم نيويورك.
• 110 طابقاََ من من الطموح الخالص
تعود جذور فكرة إنشاء البرجين التوأمين إلى معرض نيويورك العالمي عام 1939، حين ظهر للمرة الأولى تصور مركز يربط التجارة بالسلام العالمي. وعادت الفكرة إلى الواجهة في أواخر الخمسينيات، حين قاد المصرفي الأمريكي ديفيد روكفلر جهود إحياء مانهاتن السفلى وإنشاء مركز للتجارة العالمية .
وصمم المعماري الأمريكي من أصل ياباني مينورو ياماساكي البرجين ضمن مشروع تولت هيئة ميناء نيويورك ونيوجيرسي تطويره وبناءه وإدارته.
جرى تشييد البرجين فوق أرض سوق راديو رو Radio Rowالقديم في قلب الحي المالي بمانهاتن السفلى، حيث شكلت المنطقة مركزاََ تجارياََ نابضاََ بالحياة ومزدحماََ منذ عشرينيات القرن العشرين، وكانت تضم أكثر من 400 متجر ومستودع لبيع أجهزة الراديو والمكونات الإلكترونية ثم التلفزيونات لاحقاََ .
جرى هدم الحي التاريخي بأكمله عام 1966 لتسوية الأرض وبدء أعمال الحفر والأساسات الخاصة بالبرجين التوأمين.
أقيم البرجان في هذا الحي ليصبحا عنواناً لقدرة الصناعة على ملامسة السحاب. و ظلا شامخين ثمانية وعشرين عاماً، أيقونة للتجارة العالمية ورمزاً لعصر الصلب.
بدأ المستأجرون الانتقال إلى البرج الشمالي في ديسمبر 1970، فيما اكتمل مجمع مركز التجارة العالمي رسمياََ وتم تدشينه ومن ثم افتتاحه في أبريل 1973، وكانا يتألفان من 110 طوابق لكل منهما ..طوابق متعددة من الطموح الخالص.
كان البرجان يوفران مكاتب لنحو 35 ألف شخص و430 شركة عالمية ومحلية تنشط في مجالات البنوك والتأمين والبورصة والتجارة، بينما كان مجمع مركز التجارة العالمي يستقبل نحو 70 ألف سائح وموظف ومسافر يومياََ.
• 200 ألف طن صلب .. من جراوند زيرو إلى فريش كيلز

تحول ما كان واحداً من أبرز الإنجازات الهندسية في القرن العشرين إلى جبل من الأنقاض.
عندما انهار الرمز في 11 سبتمبر، بدأت الرحلة الثانية لنحو 200 ألف طن من الصلب الإنشائي، بدرجات مقاومة متعددة تم تصميمها لتلبية المتطلبات المختلفة لهذا الهيكل العملاق .
بينما كانت فرق العمل الدؤوب هناك، تبحث عن الرفات والممتلكات والأدلة، كان الصلب ينتقل تدريجياً من كونه جزءاً من مسرح الجريمة إلى كونه مادة قابلة للفرز والاسترداد.
خرج صلب البرجين من مانهاتن إلى ساحات الفرز، ومنها إلى المختبرات و سوق الخردة، ومن هناك إلى مصانع داخل الولايات المتحدة وخارجها. بعضه أعيد صهره ودخل دورة صناعية جديدة، وتم الاحتفاظ ببعضه بوصفه دليلاً علمياً في المختبرات، وبعضه تحول إلى نصب تذكارية، فيما اتخذ جزء صغير منه واحداً من أكثر المسارات رمزية، فقد عاد إلى الولايات المتحدة داخل مقدمة سفينة حربية تحمل اسم مدينة نيويورك التي التي شهدت الكارثة.
وتشير بيانات المعهد الوطني الأمريكي للمعايير والتكنولوجيا NIST إلى أن البرجين استخدما نحو 200 ألف طن من الصلب الإنشائي وأن هذه الكمية كانت موزعة بين الأعمدة الخارجية، وأعمدة القلب، وأنظمة الطوابق والكمرات والجمالونات (هي هياكل إنشائية إنشائي تتكون من قضبان أو زوايا حديدية مترابطة معاً في أشكال مثلثية، وتستخدم لحمل وتوزيع الأحمال الثقيلة وتغطية المساحات دون الحاجة إلى أعمدة داخلية) إلى جانب عناصر أخرى شكلت الهيكل الحامل للمبنيين .
وحين انهار البرجان، اختلط الصلب بالخرسانة والزجاج والأثاث وصار جزءا من فوضى ركام عارمة.
و بدأ التعامل مع الحطام باعتباره مادة يمكن فصل مكوناتها، وكان الصلب أحد أهم هذه المكونات.
غادر الصلب موقع الكارثة بالشاحنات والصنادل وهي الطريقة ذاتها التي انتقلت بها ملايين الأطنان من الأنقاض .
وجرى توجيه جزء كبير من الحطام إلى مكب النفايات فريش كيلز Fresh Kills والذي يقع في جزيرة ستاتن آيلاند، وكان امتداداََ عملياََ لعملية البحث والاسترداد وإدارة حطام مركز التجارة العالمي .
ووصل حتى نهاية عام 2001 نحو 795,762 طناً من الحطام إلى فريش كيلز ، وأكثر من 119,500 طن من الصلب أُعيد تدويرها في تلك المرحلة.
ويشير تقرير إدارة النظافة و الصرف الصحي بمدينة نيويورك DSNY الصادر في 2002 – 2003 عن عمليات الفرز إلى أن 1460,888 طناََ من مواد مركز التجارة العالمي وصلت إلى فريش كيلز إجمالاََ، وأنه جرى إزالة 185,727 طناََ من الصلب وإرسالها إلى مركز إعادة التدوير الشهير Hugo Neu Schnitzer ، هوجو نوي شنينتسر، وانتهت عمليات مركز التجارة العالمي هناك في 21 أغسطس 2002 مع إخراج آخر حمولة من الصلب لإعادة التدوير.
لكن الصلب لم يكن بالنسبة إلى كل من حمله مجرد معدن، كان العمال في ساحات الفرز، يتعاملون مع مادة يعرفون أنها كانت يوماََ ما جزءاََ من المكان الذي مات فيه آلاف الأشخاص.
وتروي شهادات بعض العاملين أن لحظات التعامل مع القطع المستعادة كانت ثقيلة إلى حد البكاء، فبعضهم احتفظ بقطع صغيرة، وبعضهم صنع منها تذكارات للعائلات.
وكانت فرق الاسترداد في فريش كيلز، إلى جانب فرز الأنقاض، تفحص المواد بحثاََ عن الرفات والمتعلقات الشخصية، حتى جرى فحص المواد القادمة من الموقع إلى مستويات بالغة الدقة، وشملت العمليات فحص 4,250 بقايا بشرية و 9000 من المتعلقات الشخصية .
• في المختبر .. كان الصلب دليلاً
ظهرت قيمة الصلب العلمية، في هذه المرحلة فقطعه كانت تحمل معلومات عن موقعها الأصلي، وعلامات التصنيع، وخصائصها، والظروف التي تعرضت لها.
كان على العلماء أن يفهموا كيف انهار البرجان، ولهذا جمع المعهد الوطني الأمريكي للمعايير والتكنولوجيا NIST بقطع من الصلب لدراسة خصائصها وربطها بالنظام الإنشائي للمبنيين.
وفي النهاية، امتلك المعهد 236 عنصراً إنشائياً من صلب مركز التجارة العالمي، بينها أجزاء من الأعمدة الخارجية والداخلية ومكونات أخرى من نظام الطوابق.
كانت هذه القطع أشبه بوثائق هندسية مكتوبة بالصلب والتي تحمل علامات التصنيع وخصائص المادة وموقعها الأصلي ، فعلى سبيل المثال، كانت تزن إحدى القطع المستعادة، نحو 41 طناً، وتمكن المهندسون من تحديد موضعها وأنها جاءت من منطقة تقع بين الطوابق 100 و103 في البرج الشمالي.
واعتبر العلماء آنذاك أن الصلب شاهدا وليس مجرد خردة، فكانت مهمته أن يساعدهم على تقديم إجابات شافية.
• في سوق الخردة

في ساحات الفرز، اختلطت القطاعات الإنشائية والكمرات والأعمدة التي حملت البرجين ببقية الحطام، فيما بدأت عملية فصل المعدن عن الخرسانة والزجاج وبقية المواد .
وأعادت شركة ميتال مانيجيمت نورث إيست وحدها تدوير نحو 100 ألف طن من صلب مركز التجارة العالمي بحلول أبريل 2002 ، وكان يتم تقطيع الصلب إلى مقاطع أطوال بطول 4–5 أقدام ثم يتم شحنه إلى مصانع صلب، معظمها خارج الولايات المتحدة.
انتقل الصلب، خلال أشهر قليلة، من قلب واحدة من أعظم كوارث العصر الحديث إلى قلب سوق السلع الصناعية العالمية، لتختفي هويته السابقة ليدخل بحسب وجهته الصناعية، دورة جديدة من الصهر وإعادة ضبط التركيب والصب والدرفلة والتشكيل، ثم يظهر في صورة منتج جديد.
واشترت مصانع صلب صينية نحو 50 ألف طن من الخردة، بينما وصلت كميات أخرى إلى جهات إعادة تدوير في دول مختلفة، من بينها اليابان وماليزيا وكوريا الجنوبية.
واللافت أن كميات كبيرة دخلت سوق الخردة وإعادة التدوير، وأن جزءاً منها غادر الولايات المتحدة وأعيد صهره وتحول إلى سلعة في سوق عالمي لا يعترف بالحدود أو الرموز .
اختفى الصلب من الذاكرة المادية، لكنه لم يختفِ من دورة الصناعة ربما عاد في صورة منتج صناعي وربما دخل منتجاً استهلاكياً لا يحمل أي علامة تكشف قصته أو هويته الأصلية التي تلاشت بانهياره .
• من السحب إلى الأمواج

قررت البحرية الأمريكية استخدام 24 طناََ من الصلب المستعاد من مركز التجارة العالمي في عملية تصنيع مقدمة السفينة USS New York وانتهت إلى صب 7.5 طن متري منه في الجزء الأمامي من الهيكل .
ودخلت السفينة الخدمة في نوفمبر 2009، ومن ثم أصبح جزء من الصلب الذي كان يوما جزءاََ من البرجين ذائبا في هيكل سفينة تحمل اسم نيويورك، فبعد أن كان صلب البرجين شامخا في السماء، نزل إلى الماء و يمخر الأمواج المتلاطمة وهي تحمل شعار “قوة صيغت من التضحية، لن ننسى أبدا”
وصارت المدينة التي تعرضت للهجوم اسماً لسفينة تحمل في مقدمتها جزءاً من صلب كان يوماً جزءاً من برجيها.
• في الذاكرة الوطنية

مادة الصلب لم تتغير، لكن قيمتها تغيرت، كانت تباع في سوق الخردة بالطن، ثم أصبحت في النصب التذكارية شيئاََ لا يقاس بالطن ولا بالسعر. القطعة نفسها التي كان يمكن أن تدخل شركة ما لإعادة التدوير، أصبحت أثراََ تاريخياََ على التراب الوطني الأمريكي .
حتى الصدأ الذي علا بعضها لا يعتبرعيباََ يحتاج إلى إزالة، بل أصبح جزءاََ من القصة التاريخية . فالالتواءات التي حملتها القطع ليست تشوهات ف الصلب ، بل تعد آثاراََ مادية لحدث غير مدينة وبلداََ وعالماََ بأكمله.
وفي مدن وبلدات مختلفة، أصبحت قطع الصلب الملتوية جزءاً من ساحات عامة، ونُصب تذكارية، ومراكز إطفاء، ومتاحف.
وجرى توزيع أكثرمن 1,800 قطعة على مؤسسات ومجتمعات داخل الولايات المتحدة وخارجها لإقامة نصب تذكارية.
• استنساخ عالمي ..325 مركزا في 90 دولة
ذهب الآثر ولم يندثر الذكر، كانت فكرة برجي التجارة العالمي في نيويورك ، لا تقتصر على بناء مبنيين شاهقين، ومن هذا المنطلق تأسست رابطة مراكز التجارة العالمية WTCA عام 1968، وهي الجهة الوحيدة المخولة بمنح ترخيص استخدام اسم مركز التجارة العالمي حول العالم. و بلغ عدد المراكز المرخصة 323 مركزا في 90 دولة، وارتفع اليوم إلى أكثر من 325 مبنى، حتى مايو 2020، حسب بيانات الرابطة .
ويعد مركز التجارة العالمي في البحرين أبرز نماذج المحاكاة والذي يتألف من برجين توأمين ويتألف كل برج من 50 طابقاََ يبلغ ارتفاعهما 240 متراََ ويربط بينهما ثلاث توربينات رياح ويقعان في قلب منطقة المال والأعمال على الواجهة البحرية الشمالية لمدينة المنامة.
وتم تمصيم المشروع عن قصد ليكون أيقونة التوأمين التي تذكر ببرجي نيويورك، لكن ببعد مستدام.
وكانت هناك محاكاة وظيفية تجارية والتي تشكل الغالية العظمى، وتتمثل في مراكز مثل دبي وجدة والرياض والقاهرة وعمان، وحصلت كلها على الترخيص من رابطة مراكز التجارة العالمية.
التي لا تنحصر وظيفتها في بناء برجين توأم، بل تجميع خدمات التجارة العالمية من مكاتب، غرف تجارة، خدمات جمركية واستثمار تحت سقف واحد، تماما كما كان يفعل مجمع نيويورك الأصلي الذي كان يضم 430 شركة و35 ألف موظف.
وهناك محاكاة رمزية ففي الصين وحدها يوجد أكثر من 30 مركز تجارة عالمي، وفي الهند مراكز في مومباي ونيودلهي وبنجالور. كل مدينة تريد أن تقول إنها بوابة التجارة العالمية، وهو الخطاب ذاته الذي استخدمته نيويورك في 1939 عندما طرحت فكرة المركز لأول مرة في معرضها العالمي كرمز للسلام من خلال التجارة.
وعلى الرغم من كل هذه المحاولات التي ربما نجحت في نسخ الاسم والوظيفة التجارية، لكنها فشلت في نسخ الرمزية. فبرجا نيويورك كانا مشروع دولة بنته هيئة ميناء نيويورك ونيوجيرسي لإحياء مانهاتن السفلى بعد هدم حي Radio Row التاريخي أما باقي المراكز فهي مشاريع عقارية استثمارية خاصة.
لكنه لم يتم استنساخ برجي التجارة العالمي مرة ثانية في بلد المنشأ نيويورك
ورغم المطالبات الشعبية بإعادة بنائهما طبق الأصل عقب هجمات 11 سبتمبر، قررت سلطات المدينة تشييد مجمع جديد مختلف.
وتضمن المشروع الجديد برجاََ واحداََ هو برج الحرية بارتفاع 1776 قدماََ أي 541 مترا، حيث يرمز الرقم 1776 إلى عام الاستقلال الأمريكي، وهو أعلى من البرجين الأصليين البالغ ارتفاعهما 417 مترا، وبتصميم معماري مغاير تماماََ.
أما الاستنساخ الوحيد فكان للفراغ، حيث أُقيم النصب التذكاري في نفس موضع أساسات البرجين بدقة، على شكل حوضين مربعين بنفس أبعادهما تنساب فيهما شلالات مياه، تخليدا لذكرى الضحايا.
تم استنساخ برجي مركز التجارة العالمي، في عشرات الدول بالعالم، لكنها لم تبلغ حلم الـ 110 طوابق من الطموح الخالص الذي مثله البرجان حتى 11 سبتمبر 2001.
























