تواجه صادرات خردة المعادن من الاتحاد الأوروبي إلى مصر قيودًا محتملة بموجب لائحة شحنات النفايات الأوروبية الجديدة بعد أن أدرجت المفوضية الأوروبية مصر في مسودة قائمة الدول غير الأعضاء في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) التي لا يُسمح لها باستقبال مخلفات المعادن من الاتحاد الأوروبي.
ونشرت المفوضية المسودة في 18 سبتمبر 2026، على أن تُعتمد القائمة النهائية بحلول 21 نوفمبر 2026، فيما تبدأ القواعد الجديدة لصادرات النفايات غير الخطرة إلى الدول غير الأعضاء في المنظمة في 21 مايو 2027؛ وتأتي مصر ضمن الدول التي تقدمت بطلب للاستمرار في استقبال أنواع محددة من النفايات غير الخطرة من الاتحاد الأوروبي.
ووفق تقييم المفوضية استوفت مصر متطلبات استقبال مخلفات الورق والمنسوجات والمطاط والأخشاب والزجاج والمخلفات العضوية ومخلفات الصناعات الغذائية، لكنها لم تثبت وفق المعلومات المتاحة للمفوضية استيفاء المتطلبات اللازمة للإدارة السليمة بيئيًا لمخلفات المعادن، ولذلك لم تُدرج هذه المخلفات ضمن أنواع النفايات المسموح بتصديرها إلى مصر في المسودة.
المسودة لم تصبح قرارًا نهائيًا
لا يزال استبعاد مصر من قائمة الدول المسموح لها باستقبال الخردة الأوروبية مقترحًا وليس قرارًا نهائيًا.
ويستمر باب إبداء الآراء والملاحظات على المسودة حتى 16 أكتوبر 2026، على أن تعتمد المفوضية الأوروبية القرار رسميًا خلال الربع الرابع من العام.
كما تتيح القواعد الجديدة للدول المستبعدة إمكانية إعادة تقديم طلباتها مستقبلًا للانضمام إلى قائمة الدول المسموح لها باستقبال المخلفات.
وبالنسبة لمصر، فإن الفترة المقبلة تتيح مجالًا للتعامل مع التطور عبر مسارين متوازيين: العمل على الحفاظ على إمكانية الوصول إلى الإمدادات الأوروبية، بالتوازي مع تنويع مصادر الاستيراد وتسريع بناء قدرات محلية لجمع ومعالجة وإعادة تدوير الخردة.
وفي حال تطبيق القيود بصيغتها الحالية، ستصبح كفاءة منظومة الخردة المحلية وتنوع مصادر الاستيراد عاملين أكثر أهمية بالنسبة لصناعة الصلب المصرية، خصوصًا في ظل اعتماد جزء كبير من الإنتاج على أفران القوس الكهربائي وحاجة المصانع إلى إمدادات مستقرة من المادة الخام.
الخردة الأوروبية.. أكثر من مليوني طن إلى مصر خلال 6 أشهر
استوردت مصر نحو 2.12 مليون طن من خردة الصلب من الاتحاد الأوروبي خلال النصف الأول من 2026، بزيادة 59.7 % على أساس سنوي وفق بيانات مكتب الإحصاء الأوروبي يوروستا (Eurostat) ، التي أوردتها منصة (Fastmarkets) المتخصصة في بيانات وتحليلات أسواق السلع والمواد الخام.
وتؤكد بيانات التجارة الأوروبية استمرار أهمية مصر كوجهة لصادرات الخردة الأوروبية؛ ففي 2025 استوردت مصر نحو 1.83 مليون طن من الخردة الحديدية من الاتحاد الأوروبي، كما سجلت مصر نحو 1.9 مليون طن من إجمالي صادرات الاتحاد الأوروبي من المواد الخام القابلة لإعادة التدوير خلال العام نفسه، وفق يوروستات.
الخردة في منظومة إنتاج الصلب المصرية
تمثل الخردة أحد المدخلات الرئيسية في إنتاج الصلب عبر أفران القوس الكهربائي (EAF)التي تعتمد على صهر الخردة كمصدر للحديد، إلى جانب استخدام الحديد المختزل المباشر (DRI) أو الحديد المقولب على الساخن (HBI) بحسب تكنولوجيا المصنع ومزيج المواد الخام المستخدم.
وتعتمد صناعة الصلب المصرية بدرجة كبيرة على تكنولوجيا أفران القوس الكهربائي، ما يجعل الخردة جزءًا أساسيًا من سلسلة إمداد مصانع الصلب الطويل والمنتجات المسطحة التي تعمل بهذه التكنولوجيا.
وتختلف نسبة الخردة المستخدمة في الشحنة المعدنية من مصنع إلى آخر وفق نوع الفرن، وجودة الخردة المتاحة، وتوافر الحديد المختزل المباشر ومواصفات المنتج النهائي.
وتأتي الخردة الأوروبية ضمن مصادر التوريد الخارجية للمصانع المصرية، وهو ما تؤكده بيانات التجارة التي تظهر حجمًا كبيرًا من واردات مصر من الخردة الأوروبية خلال 2025 والنصف الأول من 2026.
البحث عن مصادر بديلة
تستورد مصر خردة الحديد والصلب من عدة أسواق، وتظهر بيانات قاعدة التجارة الدولية التابعة للبنك الدولي (WITS)، المستندة إلى بيانات الأمم المتحدة للتجارة الدولية، أن واردات مصر من بند خردة ومخلفات الحديد أو الصلب الأخرى «HS 720449» رمز التصنيف الجمركي الدولي لهذا النوع من الخردة، بلغت نحو 3.97 مليون طن بقيمة 1.55 مليار دولار في 2024.
وتصدر المملكة المتحدة قائمة الموردين بكمية بلغت نحو 1.76 مليون طن بقيمة 687.3 مليون دولار، تلتها بلجيكا بنحو 1.08 مليون طن بقيمة 419.9 مليون دولار، ثم هولندا بنحو 556.3 ألف طن بقيمة 216.9 مليون دولار.
كما استوردت مصر نحو 202.3 ألف طن من لبنان بقيمة 78.9 مليون دولار، ونحو 185.7 ألف طن من الولايات المتحدة بقيمة 72.4 مليون دولار.
وبذلك استحوذت المملكة المتحدة وبلجيكا وهولندا وحدها على نحو 3.40 مليون طن من واردات مصر المسجلة تحت هذا البند في 2024، أي ما يقارب 86% من إجمالي الكمية، وفق بيانات WITS .
نص المسودة.. لماذا استُبعدت خردة المعادن؟
تكشف بيانات مركز الأبحاث المشترك التابع للمفوضية الأوروبية (JRC) عن أهمية السوق المصرية في تجارة الخردة الأوروبية؛ إذ صدّر الاتحاد الأوروبي نحو 16.2 مليون طن من الخردة الحديدية إلى خارج الاتحاد في 2024، بما يعادل نحو 30% من صادرات الخردة العالمية المتداولة خارج مناطق الإنتاج، ليظل أكبر مصدر
صافٍ للخردة عالميًا.
وجاءت مصر في المرتبة الثانية بين الوجهات الرئيسية للخردة الأوروبية بحصة تقارب 10 % من الصادرات، وفق تحليل JRC لبيانات التجارة؛ وفي المقابل بلغت صادرات الولايات المتحدة من الخردة نحو 14.6 مليون طن في 2024، لتحتفظ كذلك بموقعها كمصدر صافٍ رئيسي للخردة.
ويأتي هذا الوضع التجاري في وقت تعيد فيه المفوضية الأوروبية تحديد الدول غير الأعضاء في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) التي يمكن أن تستمر في استقبال بعض أنواع النفايات غير الخطرة من الاتحاد الأوروبي بعد دخول القواعد الجديدة حيز التطبيق في 21 مايو 2027.
وتنص اللائحة على إعداد قائمة بالدول المؤهلة بحلول 21 نوفمبر 2026، على أن تشمل القائمة أنواع النفايات التي ثبتت قدرة كل دولة على إدارتها بطريقة سليمة بيئيًا.
وبحسب نص مسودة المفوضية، تقدمت مصر بطلب لاستقبال سبعة أنواع من النفايات: مخلفات الورق، والمنسوجات، والمطاط، والأخشاب، والزجاج، والمخلفات العضوية ومخلفات الصناعات الغذائية، إلى جانب مخلفات المعادن؛ وخلص تقييم المفوضية إلى أن مصر تستوفي متطلبات الإدارة السليمة بيئيًا بالنسبة إلى الأنواع الستة الأولى، ولذلك اقترحت إدراجها ضمن النفايات التي يمكن تصديرها إلى مصر، بينما خلصت بالنسبة إلى مخلفات المعادن إلى عدم ثبوت استيفاء المتطلبات اللازمة.
وتشير المسودة إلى أن مخلفات المعادن تخضع لتدقيق أكثر تشددًا بسبب احتمال احتوائها على معادن ثقيلة سامة، من بينها الرصاص والزئبق والكادميوم والكروم سداسي التكافؤ، فضلًا عن المخاطر المرتبطة بعمليات التقطيع والصهر والتكرير، وتوضح المفوضية أن هذه العمليات قد تنتج عنها انبعاثات من الغبار والأبخرة وبقايا ملوثة إذا لم تُدار وفق ضوابط بيئية مناسبة.
وفي حالة مصر، لم يقتصر تقييم المفوضية على وجود تشريعات لإدارة المخلفات، وإنما امتد إلى مدى إثبات تطبيق الإجراءات اللازمة لضمان الإدارة السليمة بيئيًا لمخلفات المعادن، ووفق نص المسودة، لم تثبت مصر، استنادًا إلى المعلومات المتاحة للمفوضية وقت التقييم، أنها وضعت وطبقت جميع التدابير المطلوبة لهذا النوع من المخلفات، ولذلك لم تُدرج مخلفات المعادن ضمن النفايات التي يُسمح بتصديرها إلى مصر في القائمة المقترحة.
ولا يزال هذا التقييم ضمن مسودة القائمة الأوروبية وليس قرارًا نهائيًا؛ إذ نشرت المفوضية المسودة في 18 سبتمبر 2026، وفتحت باب إبداء الملاحظات حتى 16 أكتوبر، على أن تُعتمد القائمة الأولى بحلول 21 نوفمبر 2026، كما تنص القواعد على تحديث القائمة بصورة دورية، وبحد أدنى مرة كل عامين.
زيادة الاعتماد على الخردة المحلية
تعمل مصر على تطوير مصادر محلية للخردة من خلال مشروع لتخريد وإعادة تدوير السفن في ميناء دمياط. وبدأ المشروع بتوقيع مذكرة تفاهم في مايو 2024 بين الشركة القابضة للنقل البحري والبري وشركة الوحدة للتنمية الصناعية، قبل توقيع عقد اتفاق لإنشائه في ديسمبر من العام نفسه. ويقام المشروع في منطقة غرب ميناء دمياط، ويستهدف إنشاء ساحة لتخريد السفن الكبيرة والمتوسطة والصغيرة وفق المعايير الدولية.
ووفقًا للبيانات المعلنة عند توقيع الاتفاق، يستهدف المشروع إنتاج نحو 1.5 مليون طن من الخردة سنويًا خلال خمس سنوات من بدء المشروع، وكانت وزارة النقل قد ذكرت أن السوق المحلية توفر نحو 1.5 مليون طن من الخردة سنويًا، مقابل استيراد نحو 3 ملايين طن من الخارج.
وحتى نهاية 2026، لا تتوافر بيانات موثوقة تعلن بدء تشغيل المشروع أو إنتاجه للخردة تجاريًا؛ وبالتالي تظل كمية الـ1.5 مليون طن طاقة إنتاجية مستهدفة للمشروع وليست إمدادات محلية متاحة حاليًا، كما لا يمكن اعتبارها، في وضعها الحالي، بديلًا فعليًا للكميات المستوردة من الأسواق الخارجية.





















