القاهرة- أماني إبراهيم
المركز الإعلامي للاتحاد العربي للحديد والصلب
تدخل صناعة الصلب العالمية مرحلة جديدة تُعيد فيها تشكيل سلاسل الإمداد ومصادر الطاقة والمواد الخام. ومع تسارع التوجه نحو الإنتاج منخفض الكربون والتوسع في أفران القوس الكهربائي (EAF)، تتجاوز الخردة مفهوم النفايات أو المواد الثانوية لتصعد إلى صدارة المشهد كأصل استراتيجي ومُدخل محوري يحدد تنافسية شركات الصلب وتكلفتها الاستثمارية.
تفتح هذه التحولات الاستراتيجية أفقًا واعدًا أمام منطقة الشرق الأوسط للاستفادة من بنيتها اللوجستية المتطورة وموقعها الجغرافي الاستثنائي للتحول إلى مركز إقليمي وعالمي لتجارة ومعالجة الخردة والمدخلات المعدنية.
وفي حوار خاص مع المركز الإعلامي للاتحاد العربي للحديد والصلب، استعرض أريهانت سينغي (Arihant Singhi)، الرئيس التنفيذي للعمليات والمؤسس لشركة آشا للتجارة المحدودة (Aaasha Trading Limited) بالمملكة المتحدة، رؤيته لمستقبل السوق، والتحديات التنافسية، ودور الرقمنة والسياسات البيئية، مستندًا إلى خبرة تمتد لأكثر من 15 عامًا في تجارة المعادن الحديدية وغير الحديدية وإدارة سلاسل الإمداد الدولية.
منظومة محلية وقدرات لوجستية بالشرق الأوسط
أكد سينغي أن الخطوة الأساسية للاستفادة من الخردة العربية تكمن في بناء منظومة أكثر تنظيمًا لجمع الخردة وفرزها ومعالجتها بكفاءة، فالكميات متوفرة بالمنطقة لكن الاستثمار في أجهزة التقطيع ومعدات الفرز وشبكات الجمع الحديثة هو ما يُحدث الفارق الحقيقي.
وأشار إلى أن دول مجلس التعاون الخليجي تمتلك بنية لوجستية وموانئ استثنائية وإذا تم تطوير قطاع المعالجة والفرز ستتمكن المنطقة من تقليل الاعتماد على الواردات وترسيخ صناعة تدوير محلية قوية.
وأضاف أن المنطقة تجمع بين النمو القوي في طاقات إنتاج الصلب في السعودية والإمارات وعُمان، والتوسع في إنتاج الحديد المختزل المباشر (DRI)، والبنية اللوجستية التي تربط بين أسواق العرض والطلب في أوروبا وآسيا وأفريقيا، هذا المزيج يجعل دول الخليج مؤهلة للعب دور محوري ليس فقط كسوق للتداول، بل كمركز معالجة وتجارة للمدخلات المعدنية.
التكنولوجيا وسلاسل الإمداد
أوضح سينغي أن الذكاء الاصطناعي يساهم في تسريع العمليات، وتحسين مراقبة الجودة، وإدارة المخزون، ورفع كفاءة اللوجستيات بالحد من مخاطر تقلبات الشحن، لكنه شدد على أنه لن يستبدل التاجر؛ فتجارة الخردة تعتمد في جوهرها على العلاقات والتفاهم الدقيق لمتطلبات المصانع واتجاهات السوق، والتكنولوجيا تزود التاجر بالبيانات والأدوات لاتخاذ قرارات أسرع وأكثر دقة.
أما التحدي الأكبر الذي يواجه شركات إعادة التدوير فيتمثل -بحسب سينغي- في “ثبات الجودة” والالتزام بالمواصفات فالمصانع الحديثة أصبحت أكثر تشددًا بشأن مستويات الشوائب، والتركيب الكيميائي، والكثافة.
وأكد أن الشحنة الأرخص ليست هي الأفضل دائمًا، والشركات التي تضمن استقرار المواصفات هي التي تنجح في بناء علاقات مستدامة مع المنتجين.
تكامل الخام وضغوط الجودة العالمية
بين سينغي أن العلاقة بين الخردة والبدائل الأخرى مثل الحديد المختزل المباشر (DRI) والحديد الغفل هي علاقة تكامل وليست منافسة فلا توجد مادة خام منفردة تلبي احتياجات المصنع كافة فنيًا واقتصاديًا، فالخردة تمنح المكون المعدني المعاد تدويره، بينما يساعد (DRI) والحديد الغفل في الضبط الكيميائي والسيطرة على العناصر المتبقية عند إنتاج درجات صلب عالية الجودة.
المستقبل ليس للمفاضلة بين الخردة أو (DRI)، بل للوصول إلى “المزيج المعدني الأمثل” من حيث السعر والتوافر والبصمة الكربونية.
وفيما يتعلق بالإمدادات العالمية، نبه سينغي إلى أن المشكلة ليست في كمية الخردة الإجمالية، بل في توافر الجودة والمواصفات المطلوبة في الوقت المناسب، فإضافة طاقات إنتاج جديدة يتم في وقت قصير، بينما تحتاج الخردة المتقادمة عالية الجودة إلى عقود لتتولّد وترجع للسوق هذا يخلق ضغوطًا هيكلية ومنافسة محتدمة على الخامات الفاخرة، ما يدفع نحو التعامل مع الخردة عالية الجودة كأصل استراتيجي.
دروس من الأسواق العالمية: الهند وبريطانيا
اشار سينغي إلى تجربة الهند التي تتميز بوجود سوق محلي ضخم ينمو بالتوازي مع توسع الطاقات الإنتاجية (بلغ الإنتاج نحو 164.9 مليون طن عام 2025)، مدعومًا بقطاعات البنية التحتية والسيارات وتوافر خام الحديد، والدرس الأهم من التجربة الهندية هو أن صناعة الصلب تتطلب منظومة متكاملة تشمل الموانئ، والسكك الحديدية، واللوجستيات، وإعادة التدوير، وليس مجرد بناء مصانع.
على الجانب الآخر، أوضح أن ارتفاع تكاليف الطاقة والمنافسة الدولية هما العائق الأكبر أمام صناعة الصلب في المملكة المتحدة، التحول إلى أفران القوس الكهربائي يمثل فرصة ممتازة نظرًا لتوافر قطاع تدوير قوي، لكنه يتطلب توفير طاقة تنافسية وسياسات تشريعية تضمن تكافؤ الفرص للمنتجين المحليين.
رؤية مستقبلية وشراكات استراتيجية
وجه سينغي نصيحة لمصانع الصلب العربية بضرورة تأسيس سلاسل الإمداد على مبدأ “الموثوقية” وليس “الشحنة الأرخص”، التغيرات الجيوسياسية وتقلبات الشحن وأسعار العملات تتطلب تنويع مصادر التوريد، والاحتفاظ بشراكات طويلة الأجل تتجاوز النظرة الضيقة لصفقات المدى القصير.
واختتم حواره مع الاتحاد العربي للحديد والصلب بالتأكيد على أن فرص التعاون بين المنطقة العربية والهند والمملكة المتحدة واسعة وتتجاوز مجرد التبادل التجاري، فالهند تملك الحجم والطلب المتنامي، والمملكة المتحدة تتمتع بخبرات متقدمة في إعادة التدوير والخدمات الفنية، بينما تملك المنطقة العربية رأس المال، والقدرات اللوجستية، وطاقات إنتاج الصلب و(DRI)، وبناء شبكات وشراكات استراتيجية بين هذه الأسواق يعزز مرونة وتنافسية صناعة الصلب الإقليمية والدولية.
























