مستقبل الصلب يبدأ من التحول الرقمي وليس زيادة الإنتاج
حوار- أماني إبراهيم
المركز الإعلامي للاتحاد العربي للحديد والصلب
من قلب خطوط إنتاج الصلب تشكلت خبرة المهندس شعبان يازيجي على مدار أكثر من ثلاثة عقود قضاها في إدارة وتشغيل وتطوير أكبر مجمعات صناعة الحديد والصلب في تركيا، فمنذ بداياته مهندسًا في مصانع إيردمير للحديد والصلب التركية (Erdemir)، مرورًا بقيادته مشروعات التشغيل والتوسعات في مجموعة توسيالي القابضة (Tosyalı Holding)، وصولًا إلى دوره الحالي ضمن مجموعة أوياك للصناعات التعدينية والفلزية (OYAK Maden Metalürji)، ظل حاضرًا في كل مراحل تطور الصناعة من إدارة الدرفلة والصيانة والتشغيل، إلى تنفيذ المشروعات العملاقة، وإدارة المصانع، وقيادة برامج التحول الصناعي.
يجمع يازيجي بين الخلفية الهندسية والإدارية فهو مهندس ميكانيكا حاصل على درجتي الماجستير في الهندسة الميكانيكية وإدارة الأعمال من جامعة الشرق الأوسط التقنية (METU)، وهي تركيبة منحته القدرة على الربط بين التكنولوجيا والإدارة، واقتصاديات الصناعة، وخلال مسيرته أشرف على تشغيل خطوط إنتاج جديدة، وقاد مشروعات تطوير ورفع الكفاءة، واكتسب خبرة عملية واسعة في تشغيل الأفران الكهربائية، والدرفلة، والصيانة، وإدارة العمليات، والتحول الرقمي داخل مصانع الصلب.
وفي هذا الحوار مع الاتحاد العربي للحديد والصلب، يقدم يازيجي رؤية عملية لمستقبل الصناعة
في البداية .. كيف رسخت تركيا مكانتها بين أكبر منتجي الصلب في العالم؟
لم يكن صعود صناعة الصلب التركية إلى مصاف كبار المنتجين العالميين وليد الصدفة بل جاء نتيجة استراتيجية طويلة الأمد جمعت بين الاستثمار المستمر، والانفتاح على الأسواق العالمية، والمرونة الإنتاجية، والاستفادة من الموقع الجغرافي الذي يربط بين أوروبا وآسيا والشرق الأوسط. وقد مكّن هذا النموذج تركيا من بناء صناعة قادرة على المنافسة والنمو رغم التقلبات التي شهدها الاقتصاد العالمي خلال السنوات الأخيرة.
وتعكس أرقام الإنتاج هذا التطور بوضوح إذ ارتفع إنتاج الصلب الخام من 36.9 مليون طن في عام 2024 إلى 38.1 مليون طن في عام 2025، لتتقدم تركيا إلى المركز السابع عالميًا وتتجاوز ألمانيا وتصبح أكبر منتج للصلب الخام في أوروبا من حيث حجم الإنتاج، ويكتسب هذا الإنجاز أهمية خاصة في ظل تحديات معقدة تشمل ارتفاع تكاليف الطاقة، وتشديد الإجراءات التجارية الحمائية، والاعتماد الكبير على استيراد الخردة والمواد الخام.
ويُعد نموذج الإنتاج القائم على أفران القوس الكهربائي (EAF) أحد أهم عناصر القوة في الصناعة التركية حيث يمثل نحو 70% من إجمالي إنتاج الصلب الخام مقارنة بمتوسط عالمي لا يتجاوز 29.1% ، ويوفر هذا النموذج مرونة عالية في إدارة الإنتاج، وسرعة في الاستجابة لتقلبات الطلب العالمي، كما يمنح المنتجين الأتراك ميزة تنافسية في مسار التحول نحو إنتاج الصلب منخفض الانبعاثات.
وفي المقابل ترتبط هذه الميزة بقدرة تركيا على تأمين احتياجاتها من الخردة إذ تُعد أكبر مستورد لها عالميًا بعدما بلغت وارداتها 21.6 مليون طن خلال عام 2024، وهو ما يجعل كفاءة إدارة سلاسل التوريد عنصرًا أساسيًا في الحفاظ على تنافسية القطاع.
كما لعب التوجه التصديري دورًا محوريًا في نجاح الصناعة فالصادرات التركية تصل إلى نحو 200 دولة مع حضور قوي في أسواق منتجات الصلب الطويل وحديد التسليح ومنتجات التشييد والبناء.
وخلال عام 2024 ارتفعت صادرات الصلب بنسبة 27.6% لتصل إلى 13.4 مليون طن، بينما زادت قيمتها بنسبة 17.7% لتسجل 9.75 مليار دولار، وهو ما عزز ثقافة الإنتاج الموجه للتصدير، ورفع قدرة الشركات على التكيف السريع مع تغيرات الطلب في أوروبا والشرق الأوسط وشمال أفريقيا والأمريكتين وآسيا.
ولا يقل الموقع الجغرافي أهمية عن بقية العوامل، إذ يمنح تركيا ميزة لوجستية فريدة باعتبارها حلقة وصل بين الأسواق الأوروبية والآسيوية، ويوفر سهولة الوصول إلى مصادر المواد الخام والأسواق الاستهلاكية، وهو ما دعمته استثمارات كبيرة في الموانئ، والطاقة الإنتاجية، والبنية التحتية الصناعية.
واليوم لم تعد الشركات التركية تنافس على أساس حجم الإنتاج فقط ولكن تتجه بصورة متسارعة نحو تعزيز القيمة المضافة، وتطوير أنواع متقدمة من الصلب، وتسريع التحول الأخضر، وتوظيف الرقمنة والذكاء الاصطناعي لتحسين الكفاءة التشغيلية، وهذه المنظومة المتكاملة التي تجمع بين المرونة الإنتاجية، والقدرة التصديرية، والاستثمار المستمر، والتطوير التكنولوجي هي التي جعلت صناعة الصلب التركية تتحول من لاعب إقليمي إلى قوة مؤثرة في سوق الصلب العالمي.
وكيف تطورت صناعة الصلب التركية خلال العقود الثلاثة الماضية؟
شهدت صناعة الصلب التركية خلال العقود الثلاثة الماضية تحولًا جذريًا انتقلت خلاله من منتج إقليمي محدود إلى واحدة من أكبر الدول المنتجة للصلب في العالم.
وأظهرت بيانات جمعية مصدري الصلب الأتراك هذا المسار إذ ارتفع إنتاج الصلب الخام من 7 ملايين طن عام 1987 إلى 11.5 مليون طن عام 1993، ثم 25.3 مليون طن عام 2009، و34.7 مليون طن عام 2013، وصولًا إلى 40.4 مليون طن عام 2021 قبل أن يستقر عند 38.1 مليون طن في عام 2025.
ولم يكن هذا النمو مجرد زيادة في الطاقة الإنتاجية لكن جاء نتيجة تحول هيكلي قادته استثمارات القطاع الخاص، والتوسع في استخدام أفران القوس الكهربائي، وتعزيز القدرات التصديرية، وتطوير البنية اللوجستية، والالتزام المتزايد بمعايير الجودة والاستدامة العالمية.
بدأت المرحلة الأولى من هذا التحول بالتوسع في الطاقات الإنتاجية وتعزيز دور القطاع الخاص، حيث أصبحت صناعة الصلب التركية أكثر اعتمادًا على آليات السوق مع التوسع السريع في مصانع أفران القوس الكهربائي لتلبية الطلب المحلي المتزايد خاصة في قطاع التشييد والبناء إلى جانب الاستفادة من الفرص التصديرية في الأسواق الإقليمية، وبالتوازي مع ذلك تقدمت تركيا تدريجيًا في التصنيف العالمي إذ احتلت المرتبة العشرين عالميًا عام 1987، ثم الخامسة عشرة عام 1993، والعاشرة عام 2009، قبل أن تصل إلى المركز السابع عالميًا في عامي 2021 و2025.
أما المرحلة الثانية فتمثلت في تنويع المنتجات والأسواق، فبعد أن اعتمدت الصناعة تاريخيًا على إنتاج الصلب الطويل، ولا سيما حديد التسليح ومنتجات البناء، توسعت تدريجيًا في إنتاج الصلب المسطح والمنتجات ذات القيمة المضافة بدعم من المنتجين المتكاملين والاستثمارات في الصناعات التحويلية.
كما عززت الشركات التركية حضورها في قطاعات استراتيجية مثل السيارات، والأجهزة المنزلية، والطاقة، والدفاع، وبناء السفن، والصناعات الكهربائية والإلكترونية، مع التركيز على البحث والتطوير والتحول الرقمي، ويجسد نموذج توسيالي القابضة هذا التوجه إذ تمتلك عمليات في ثلاث قارات، ويعمل لديها أكثر من 15 ألف موظف وتنتج أكثر من 7 آلاف نوع من المنتجات بطاقة إنتاجية سنوية تبلغ 15 مليون طن، بما يعكس تحول الشركات التركية إلى مجموعات صناعية ذات حضور عالمي.
وتدخل الصناعة اليوم مرحلة جديدة تقودها متطلبات التحول الأخضر والتغيرات في سياسات التجارة الدولية، واستجابة لذلك أطلقت تركيا منصة وطنية لإزالة الكربون الصناعي بدعم من البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية تستهدف استثمارات بقيمة 5 مليارات يورو بحلول عام 2030، مع خفض أكثر من 20 مليون طن من الانبعاثات الكربونية سنويًا في قطاع الصلب والقطاعات الصناعية الأخرى كثيفة الانبعاثات.
وبوجه عام استند نجاح صناعة الصلب التركية إلى مجموعة من العوامل المتكاملة، في مقدمتها قوة الطلب المحلي، والانضباط الذي فرضته الأسواق التصديرية، ومرونة الإنتاج عبر أفران القوس الكهربائي، وكفاءة البنية اللوجستية، واستثمارات القطاع الخاص، والاندماج في سلاسل القيمة العالمية.
أما خلال العقد المقبل فمن المتوقع أن يتركز التنافس على تعظيم القيمة المضافة للطن المنتج، وخفض كثافة الانبعاثات الكربونية، وتأمين المواد الخام، وتسريع التحول الرقمي، وبناء شراكات في سلاسل إمداد المعادن الخضراء والصلب منخفض الكربون، أكثر من التركيز على زيادة الطاقات الإنتاجية التقليدية.

إلى أي مدى نجحت مصانع الصلب التركية في دمج الذكاء الاصطناعي والتقنيات الرقمية في عملياتها؟
صناعة الصلب التركية تجاوزت مرحلة التجارب المحدودة في مجال الذكاء الاصطناعي ودخلت بالفعل مرحلة التطبيق العملي، إلا أن مستوى النضج الرقمي لا يزال متفاوتًا بين الشركات، فبينما نجحت الشركات الرائدة في دمج الذكاء الاصطناعي وتحليلات البيانات المتقدمة في صميم عملياتها التشغيلية لا تزال شركات أخرى تعمل على توسيع نطاق تطبيقات بدأت كمشروعات تجريبية أو حلول متخصصة تستهدف عمليات محددة.
واليوم أصبحت الرقمنة عنصرًا أساسيًا في مسار تطوير الصناعة فلم تعد تقتصر على أتمتة العمليات أو جمع البيانات ولكن امتدت إلى دعم اتخاذ القرار، وتحسين الأداء التشغيلي، ورفع كفاءة الإنتاج، وإدارة الطاقة، وتعزيز جودة المنتجات، ويعكس ذلك انتقال الصناعة من مفهوم الرقمنة إلى مفهوم المصنع الذكي القائم على البيانات والتحليل الفوري.
وتقدم الشركات التركية الكبرى نماذج عملية لهذا التحول، فقد أطلقت إحدى شركات الصلب المتكاملة مشروع التحول في العمل ضمن استراتيجيتها لعام 2030، واضعة الذكاء الاصطناعي في قلب عملياتها المؤسسية والإنتاجية، ويشمل البرنامج تطبيقات للذكاء الاصطناعي في الأعمال الإدارية، وبرامج متقدمة لتحليل البيانات، وأتمتة العمليات الروبوتية، إضافة إلى تطوير نماذج تحليلية لتحسين الجودة والإنتاجية، وترشيد استهلاك الطاقة، وتحسين مزيج المواد الخام.
وعلى مستوى العمليات الصناعية يمثل مشروع Primetals Technologies بريميتالز تكنولوجيز لرقمنة مصانع التلبيد في تركيا نموذجًا متقدمًا لتطبيقات الذكاء الاصطناعي في بيئة الإنتاج، ويعتمد المشروع على جمع البيانات لحظيًا وتحليلها آليًا، والتحكم الذكي في العمليات ضمن نظام تشغيل مغلق (Closed-loop Control)، بما يتيح تحسين الأداء بصورة مستمرة، وتسريع اتخاذ القرار، وتوحيد الإجراءات التصحيحية، وتحقيق أعلى مستويات الكفاءة التشغيلية على مدار الساعة.
كما تحظى عملية التحول الرقمي بدعم مؤسسي من خلال مركز التميز للتحول الرقمي والأخضرMEXT، الذي أسسته جمعية أصحاب العمل في الصناعات المعدنية التركية عام 2020 ليكون مركزًا وطنيًا للتحول الرقمي والأخضر، وقد نجح المركز في دعم أكثر من 650 شركة، وتدريب ما يزيد على 31 ألف متخصص، وعرض أكثر من 170 حالة تطبيق في مجالات الرقمنة والاستدامة والذكاء الاصطناعي، وتؤكد هذه التجربة أن نجاح التحول الرقمي لا يعتمد على التكنولوجيا وحدها، بل يرتبط أيضًا بتأهيل الكفاءات، وتعزيز ثقافة البيانات، والأمن السيبراني، وإدارة التغيير داخل المؤسسات الصناعية.
ورغم هذا التقدم فإن تطبيق الذكاء الاصطناعي لا يزال يتفاوت بين الشركات فالتطبيقات الأكثر انتشارًا تتركز في المجالات التي تحقق عائدًا اقتصاديًا مباشرًا مثل الصيانة التنبؤية، وتحسين العمليات الإنتاجية، ومراقبة الجودة، وإدارة الطاقة، وتحسين استخدام المواد الخام، والتخطيط للإنتاج، وأتمتة التقارير.
أما التطبيقات الأكثر تقدمًا، مثل التوائم الرقمية (Digital Twins)، والتحكم الذاتي الكامل في المصانع، ومساعدات الذكاء الاصطناعي التوليدي للعاملين في خطوط الإنتاج، فما زالت تمثل المرحلة التالية من التحول بالنسبة لمعظم المنتجين الأتراك.
وأعتقد أن النجاح في المرحلة المقبلة لن يقاس بعدد تطبيقات الذكاء الاصطناعي التي تمتلكها الشركات، بل بقدرتها على تحويل البيانات إلى قرارات تشغيلية تحقق نتائج ملموسة ، فالشركات التي ستقود المنافسة هي تلك التي تنجح في دمج البنية الرقمية، والخبرة المعدنية، وتأهيل الكوادر، والأمن السيبراني، مع تطبيقات عملية قابلة للقياس، تسهم في رفع الإنتاجية، وتحسين الجودة، وخفض استهلاك الطاقة، وتقليل الانبعاثات الكربونية. وهذا هو التحول الحقيقي الذي سيحدد مستقبل صناعة الصلب خلال السنوات المقبلة.
ما الدور الذي يمكن أن يقوم به الاتحاد العربي للحديد والصلب لتسريع التحول الرقمي وتبني تقنيات الذكاء الاصطناعي في المنطقة؟
الاتحاد العربي للحديد والصلب يمتلك فرصة حقيقية لقيادة التحول الرقمي على المستوى الإقليمي من خلال القيام بدور يصعب على الشركات منفردة أن تؤديه، فالقيمة الحقيقية للاتحاد لا تقتصر على جمع الشركات تحت مظلة واحدة ولكن في بناء منصة عربية لتبادل المعرفة والخبرات، وتسريع نقل أفضل الممارسات بين الأعضاء.
ويمكن للاتحاد أن يقود هذا التحول عبر تطوير مؤشرات لقياس مستوى النضج الرقمي في الشركات الأعضاء، ووضع أطر ومعايير مشتركة لإدارة البيانات وقياس البصمة الكربونية، وتنظيم برامج تدريب متخصصة تستهدف القيادات التنفيذية والكوادر الفنية، بما يساعد الشركات على الانتقال من مرحلة التجارب المحدودة إلى تطبيقات واسعة تحقق أثرًا اقتصاديًا ملموسًا.
كما يستطيع الاتحاد أن يؤدي دورًا محوريًا في دعم جاهزية الشركات العربية لمتطلبات آلية تعديل الكربون على الحدود الأوروبية (CBAM)، وتوحيد منهجيات احتساب البصمة الكربونية للمنتجات، وتعزيز برامج اعتماد الصلب الأخضر، وبناء شراكات مع مزودي التكنولوجيا والمؤسسات البحثية العالمية، بما يضمن نقل المعرفة وتسريع تبني الحلول الرقمية المتقدمة.
نجاح تطبيقات الذكاء الاصطناعي لا يعتمد على التكنولوجيا وحدها، بل يرتبط بوجود قيادة داعمة، ولغة مشتركة بين مختلف الإدارات، وفرق عمل متعددة التخصصات، وبرامج تدريب مستمرة، وأدوات تتمتع بالشفافية وقابلة للتفسير، وهذه جميعها مجالات يستطيع الاتحاد أن يصنع فيها فارقًا حقيقيًا على مستوى الصناعة العربية.
وفي ظل التحولات المتسارعة التي تشهدها صناعة الصلب العالمية، لم يعد تبادل المعرفة خيارًا، بل أصبح ركيزة أساسية لتعزيز القدرة التنافسية للصناعة العربية، وتسريع انتقالها نحو صناعة أكثر ذكاءً واستدامة.
كيف يمكن للاتحاد العربي للحديد والصلب أن يعزز دوره بصورة أكثر فاعلية خلال المرحلة المقبلة؟
الاتحاد العربي للحديد والصلب يمتلك اليوم فرصة تاريخية للانتقال من دوره التقليدي كمظلة تجمع الشركات إلى دور أكثر تأثيرًا بوصفه محركًا للتحول الصناعي في المنطقة، فالمرحلة المقبلة تتطلب مؤسسة تقود المعرفة، وتنسق الجهود، وتسرّع نقل التكنولوجيا، وتدعم جاهزية الصناعة العربية لمواجهة المتغيرات العالمية.
ويمكن للاتحاد أن يركز على خمسة محاور استراتيجية تحقق قيمة حقيقية للأعضاء، أولًا إنشاء مركز عربي متخصص للمعرفة في مجالات إزالة الكربون وآلية تعديل الكربون على الحدود الأوروبية (CBAM)، يتولى توفير المعلومات، ومتابعة التطورات التنظيمية، ودعم الشركات في فهم متطلبات الأسواق العالمية.
ثانيًا إطلاق أكاديمية إقليمية للتحول الرقمي والذكاء الاصطناعي في صناعة الحديد والصلب، تعمل على تأهيل القيادات والكوادر الفنية ونقل أفضل الممارسات.
ثالثًا تطوير منصة مرجعية لمقارنة مؤشرات الأداء بين الشركات، بما يشمل كفاءة الطاقة، وموثوقية التشغيل، والإنتاجية، والاستدامة، بهدف تعزيز ثقافة التحسين المستمر.
رابعًا إنشاء شبكة عربية مشتركة للبحث والتطوير تركز على تقنيات الاختزال المباشر (DRI)، والحديد المقولب على الساخن (HBI)، والهيدروجين، وجودة الخردة، وغيرها من التقنيات التي سترسم مستقبل الصناعة.
وخامسًا توفير برامج لدعم اعتماد وإصدار شهادات الصلب منخفض الكربون، بما يعزز تنافسية المنتجات العربية في الأسواق الدولية.
ما أولويات التحول الرقمي في شركات الحديد والصلب العربية؟
أرى أن الأولوية الأولى هي الحوكمة لضمان قيادة واضحة تجعل التحول الرقمي جزءًا من استراتيجية الشركة، والثانية بناء بنية بيانات متكاملة تربط بيانات الإنتاج والجودة والطاقة والصيانة لدعم قرارات الذكاء الاصطناعي، أما الثالثة فهي التركيز على التطبيقات ذات الأثر المباشر مثل الصيانة التنبؤية وكفاءة الطاقة وتحليلات الجودة مع ربط جميع المبادرات بمؤشرات أداء تقيس أثرها على الربحية وكفاءة التشغيل.
كيف ينبغي لشركات الحديد والصلب إعداد الجيل القادم من المهندسين والكوادر الفنية لمواكبة التحول الرقمي؟
مستقبل صناعة الحديد والصلب سيعتمد على جيل جديد من المهندسين يجمع بين الخبرة الهندسية والقدرات الرقمية، فالمهندس في المصنع الحديث لن يكتفي بفهم علم المعادن وعمليات الاختزال والدرفلة والصب والصيانة بل سيكون مطالبًا أيضًا بإتقان تحليل البيانات، وأنظمة الاستشعار، والأتمتة، والذكاء الاصطناعي، والتعلم الآلي، ومحاسبة الانبعاثات الكربونية، والأمن السيبراني.
ولعل أهم ما أثبتته التجارب هو أن أفضل نتائج التحول الرقمي جاءت عندما قادها مهندسون يمتلكون خبرة عميقة في صناعة الصلب ثم اكتسبوا مهارات تحليل البيانات والذكاء الاصطناعي وليس العكس، ففهم العملية الإنتاجية يظل الأساس الذي تُبنى عليه الحلول الرقمية الناجحة، إعداد الكوادر لا ينبغي أن يقتصر على برامج التدريب داخل الشركات بل يجب أن يبدأ من شراكات استراتيجية مع الجامعات ومراكز البحث العلمي، وتوسيع برامج التدريب العملي، وتشجيع مشروعات التخرج والأبحاث التطبيقية، وإنشاء مختبرات للبيانات الصناعية داخل المصانع، بما يتيح للطلاب والباحثين التعامل مع تحديات التشغيل الحقيقية وتطوير حلول قابلة للتطبيق.
كيف يمكن لتعزيز الشراكة بين الجامعات وشركات الحديد والصلب أن يسهم في معالجة نقص المهندسين والفنيين المؤهلين؟
حان الوقت للانتقال من مفهوم التعاون التقليدي بين الجامعات والصناعة إلى شراكة استراتيجية طويلة الأمد، فلا ينبغي أن يقتصر التواصل بين الجانبين على استقطاب الخريجين بل يجب أن يصبح منظومة متكاملة لإعداد الكفاءات التي تحتاجها الصناعة مستقبلًا.
ويتحقق ذلك من خلال إنشاء مختبرات بحثية مشتركة، وخطوط إنتاج تجريبية، وبرامج ماجستير تطبيقية، ومنح دكتوراه تمولها الشركات، وأكاديميات لتأهيل المشغلين والفنيين، إلى جانب إتاحة مشروعات تعتمد على بيانات تشغيل حقيقية داخل المصانع مع الالتزام بضوابط السرية وحماية المعلومات، فكلما اقترب الطالب من الواقع الصناعي خلال سنوات الدراسة أصبح أكثر جاهزية للإسهام في تطويره بعد التخرج.
كما ينبغي أن ترتبط أنشطة البحث والتطوير ارتباطًا مباشرًا باحتياجات التشغيل والإنتاج والجودة والصيانة والعملاء، وأن تركز على القضايا التي ستحدد مستقبل الصناعة، مثل احتجاز الكربون واستخدامه وتخزينه (CCUS)، والاقتصاد الدائري، وتقنيات الهيدروجين، ونمذجة العمليات الصناعية، وتطوير المنتجات، وتطبيقات الذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي لتحسين خصائص الصلب ورفع كفاءة الإنتاج.
ومن الأفكار التي تستحق الدراسة أيضًا إنشاء كليات ومعاهد بل وحتى جامعات متخصصة في علوم وتكنولوجيا الحديد والصلب بالتعاون بين الحكومات والجامعات والشركات الصناعية، فمثل هذه المؤسسات يمكن أن توفر برامج تعليمية وبحثية مصممة خصيصًا لتلبية احتياجات القطاع، وتؤسس لجيل جديد من المهندسين والفنيين يمتلكون المعرفة الأكاديمية والخبرة التطبيقية والمهارات الرقمية في آنٍ واحد.
كيف يمكن لشركات الحديد والصلب تحقيق التوازن بين التحول الرقمي وتنمية الكوادر البشرية؟
الاستثمار في تدريب العاملين لا يقل أهمية عن الاستثمار في التقنيات نفسها، فالشركات التي حققت نتائج ملموسة في هذا المجال حرصت على تأهيل آلاف الموظفين على مختلف المستويات، وشكلت فرق عمل تضم تخصصات متعددة، وركزت على بناء الثقة في أنظمة الذكاء الاصطناعي من خلال تقديم نتائج واضحة وقابلة للتفسير، بما يعزز قبولها لدى فرق التشغيل.
والأهم أن هذه المبادرات لم تستهدف تقليص العمالة، بل ركزت على تحقيق وفورات في استخدام المواد الخام، وتحسين الجودة، ورفع الإنتاجية، وتعزيز كفاءة العمليات، وهذا هو النهج الذي أؤمن به فالتكنولوجيا ينبغي أن تمكّن الإنسان من أداء عمله بصورة أفضل، لا أن تحل محله.
كيف يمكن للذكاء الاصطناعي أن يحقق أكبر قيمة مضافة لصناعة الحديد والصلب خلال السنوات المقبلة؟
في صناعة الصلب لا تأتي المكاسب من التحولات الكبرى بقدر ما تأتي من التحسينات المتراكمة، فزيادة لا تتجاوز 1% في كفاءة التشغيل أو استهلاك المواد الخام قد تعني توفير ملايين الدولارات سنويًا، لكن النجاح لا يعتمد على التكنولوجيا وحدها، بل على توظيفها في تطبيقات ذات عائد اقتصادي، وخلال السنوات المقبلة ستصبح الرقمنة ضرورة استراتيجية تمتد إلى جميع وظائف المؤسسة، من الإنتاج والصيانة والطاقة وسلاسل الإمداد إلى القرارات التنفيذية المبنية على البيانات.
ما أول تطبيقات الذكاء الاصطناعي التي يمكن أن تحقق عائدًا سريعًا وقابلًا للقياس دون الحاجة إلى استثمارات رأسمالية كبيرة؟
أفضل نقطة للانطلاق هي التطبيقات التي تعتمد على البيانات المتاحة وتعالج تحديات تشغيلية قائمة، ويمكن قياس أثرها بصورة مباشرة، ولهذا فإن الأولوية يجب أن تكون لتطبيقات دعم القرار في تخطيط المواد الخام والخدمات اللوجستية، وتحسين أداء فحم الكوك وخامات الحديد، وإطلاق أنظمة إنذار مبكر لعمليات صناعة الصلب والصب المستمر، إلى جانب أتمتة تحليل التكاليف والإنتاج، ولوحات متابعة استهلاك الطاقة، ورصد انحرافات الجودة، وترتيب أولويات الصيانة وفقًا للبيانات.
هذه التطبيقات تعتمد على عناصر أساسية: بيانات موثوقة، ومسؤوليات واضحة، وتنفيذ منضبط، وعندما تتوافر هذه المقومات، يمكن تحقيق نتائج ملموسة خلال فترة زمنية قصيرة.
وقد لمسنا ذلك عمليًا من خلال عدد من التطبيقات التي يجري العمل عليها من بينها استخدام الذكاء الاصطناعي في تتبع السفن وتقليل رسوم التأخير عبر تحسين تخطيط الموانئ وتوفير رؤية لحظية لحركة السفن، وأتمتة التحليلات الشهرية للتكاليف، إلى جانب تطوير نموذج ذكي للتنبؤ بانسداد أنبوب الصب المغمور (SEN) في عمليات الصب المستمر، بما يتيح للمشغلين تقدير الزمن الآمن المتبقي لاستمرار عملية الصب واتخاذ القرار المناسب في الوقت المناسب.
إلى أي مدى يمكن للصيانة التنبؤية أن تسهم في الحد من التوقفات غير المخططة وتعزيز موثوقية التشغيل؟
الصيانة التنبؤية من أكثر تطبيقات الذكاء الاصطناعي تأثيرًا في صناعة الحديد والصلب، لكن من المهم التأكيد أن الصيانة التنبؤية ليست مجرد تركيب حساسات أو جمع كميات أكبر من البيانات بل هي منظومة متكاملة تعتمد على ربط بيانات الاهتزازات ودرجات الحرارة وأنظمة التشحيم والأداء الكهربائي وظروف التشغيل بخطط الصيانة، وإدارة قطع الغيار، وسرعة استجابة فرق التشغيل والصيانة.
ينبغي أن تكون الصيانة التنبؤية جزءًا من استراتيجية شاملة لإدارة موثوقية الأصول، ترتكز على الصيانة الإنتاجية الشاملة ، وأنظمة المراقبة الرقمية، وتحسين العمليات، والتخطيط المتكامل، وعندما تعمل هذه العناصر في إطار واحد، يتحول الذكاء الاصطناعي من أداة للتنبؤ بالأعطال إلى وسيلة لتعزيز استدامة التشغيل ورفع كفاءة المصنع على المدى الطويل.
ما أبرز التحديات التي تواجه بناء أنظمة بيانات صناعية موثوقة تدعم تطبيقات الذكاء الاصطناعي؟
نجاح أي مشروع رقمي يبدأ من جودة البيانات قبل جودة النماذج التحليلية، تمتلك مصانع الحديد والصلب كميات هائلة من البيانات لكن هذه البيانات غالبًا ما تكون موزعة بين أنظمة مختلفة في مستويات دقتها وجودتها، كما تتباين تعريفاتها بين الإدارات، وفي كثير من الأحيان تفتقر إلى مسؤولية واضحة عن إدارتها وتحديثها، وقد أثبتت تجارب العديد من الشركات أن التحديات الحقيقية لم تكن في تطوير نماذج الذكاء الاصطناعي، بل في توحيد البيانات، وتنقيتها، ودمجها، وضمان موثوقية أجهزة القياس والاستشعار، وإنشاء بنية رقمية قادرة على توفير بيانات دقيقة وفي الوقت المناسب.
ونحن نواجه التحدي ذاته في العديد من المؤسسات الصناعية حيث لا تزال بعض مبادرات التحول الرقمي تُنفذ بصورة متفرقة أو ترتبط بمبادرات فردية، دون وجود إطار مؤسسي موحد لإدارة البيانات عبر مختلف مراحل الإنتاج، كما أن ضعف تتبع البيانات، وعدم وضوح ملكيتها يمثلان عائقًا أمام الاستفادة الكاملة من تطبيقات الذكاء الاصطناعي.
هل تُعد تقنيات التسخين المسبق للخردة خيارًا اقتصاديًا مناسبًا للأسواق الناشئة؟
نعم، ولكن ليس في جميع الحالات فالتسخين المسبق للخردة يمكن أن يكون استثمارًا مجديًا عندما تتوافر مجموعة من الشروط، أهمها ارتفاع تكلفة الكهرباء، وتوافر إمدادات مستقرة من الخردة، وملاءمة تصميم الفرن، ووجود منظومة فعالة للرقابة البيئية، أما إذا غابت هذه العوامل، فقد لا تحقق هذه التقنية العائد الاقتصادي المتوقع، بل قد تفرض أعباءً إضافية على التشغيل والصيانة.
وتعتمد الفكرة الأساسية لهذه التقنية على استغلال الحرارة المهدرة في غازات العادم لتسخين الخردة قبل دخولها إلى الفرن، وهو ما يسهم في استعادة جزء من الطاقة التي كانت تُفقد دون استفادة، ويؤدي إلى خفض استهلاك الكهرباء، وتقليل زمن الصهر، وتحسين الكفاءة التشغيلية.
لكن نجاح هذه التقنية لا يرتبط بالمعدات وحدها، بل بمجموعة من العوامل التشغيلية، لذلك، لا أؤمن بوجود حل واحد يناسب جميع المصانع، فالاستثمار في تقنيات التسخين المسبق ينبغي أن يستند إلى دراسة فنية واقتصادية دقيقة تأخذ في الاعتبار ظروف كل مصنع، وهيكل تكاليفه، وتوافر المواد الخام، واستراتيجيته المستقبلية.
ما الأولويات التي ينبغي أن تركز عليها شركات الحديد والصلب العربية لتعزيز قدرتها التنافسية عالميًا؟
يجب أن يرتكز على استثمار المزايا الاستراتيجية التي تتمتع بها المنطقة وفي مقدمتها وفرة مصادر الطاقة، والإمكانات الكبيرة لإنتاج الحديد المختزل المباشر (DRI) والحديد المقولب على الساخن (HBI)، إلى جانب الموقع الجغرافي الذي يربط بين الأسواق العالمية، والطلب المتنامي على مشروعات البنية التحتية والتنمية العمرانية.
وقد أثبتت المنطقة مكانتها العالمية في تقنيات الاختزال المباشر وهو ما يمنحها قاعدة قوية للتحول نحو إنتاج صلب منخفض الانبعاثات الكربونية. لكن الحفاظ على هذه الميزة يتطلب الانتقال من المنافسة على حجم الإنتاج إلى المنافسة على الجودة، والقيمة المضافة، والاستدامة.
أرى أن الأولويات الاستراتيجية يجب أن تشمل التوسع في مشروعات الاختزال المباشر القابلة للتحول إلى الهيدروجين، وتأمين إمدادات مستقرة من الخردة والحديد المقولب على الساخن، وزيادة الاعتماد على مصادر الطاقة المتجددة، وبناء أنظمة دقيقة لقياس وإدارة البصمة الكربونية، والتوسع في إنتاج الدرجات عالية القيمة، إلى جانب تعزيز التعاون العربي في مجالات البحث والتطوير ونقل التكنولوجيا والابتكار.



























