كشف تقرير تحليلي صادر مركز GMK تحت عنوان سوق الصلب المغربي: حماية شاملة، عن منظومة متكاملة تتبناها المملكة المغربية لحماية صناعة الصلب المحلية وتعزيز قدرتها على المنافسة داخل السوق، مستفيدة من الدعم الاستثماري والحماية الجمركية والتفضيلات الممنوحة للمنتجين المحليين في المشتريات الحكومية، إلى جانب مجموعة من الإجراءات الفنية والتنظيمية التي تحد من قدرة الموردين الأجانب على الوصول إلى السوق.
وأشار إلى أن المنتجين المغاربة يتمتعون بحضور قوي في السوق المحلية رغم اعتماد المملكة بصورة هيكلية على واردات الصلب ولا سيما المنتجات شبه المصنعة اللازمة لتغذية مصانع الدرفلة.
ووفقًا للتحليل فإن هيكل الصناعة المغربية إلى جانب السياسات الحكومية الداعمة أوجد بيئة مواتية أمام الشركات المحلية لتطوير قدراتها الإنتاجية، بالتزامن مع التحول نحو تقنيات أقل كثافة في الانبعاثات الكربونية.
ويعتمد إنتاج الصلب في المغرب بصورة أساسية على الخردة وأفران القوس الكهربائي، في حين لا توجد في المملكة منشآت تعتمد على الأفران العالية التقليدية، ولفت إلى أن طاقات الدرفلة تتجاوز قدرات إنتاج الصلب الخام وهو ما يفسر اعتماد السوق على استيراد المربعات والكتل وغيرها من المنتجات شبه المصنعة.
وتتركز صناعة الصلب المغربية بصورة رئيسية بين أربعة منتجين تختلف أدوارهم باختلاف أنواع المنتجات وتأتي سوناسيد في مقدمة منتجي المنتجات الطويلة بطاقة تصل إلى 800 ألف طن سنويًا من الصلب و1.2 مليون طن من المنتجات المدرفلة، بينما تعد المغرب ستيل المنتج الوحيد للصلب المسطح في المملكة بطاقة مليون طن سنويًا من الصلب ومليون طن من المنتجات المدرفلة، وتمتلك يونيفرس أسيبه طاقة إنتاجية تبلغ 700 ألف طن سنويًا من الصلب و700 ألف طن من حديد التسليح، في حين تمثل سيدي حجاج أحدث الطاقات الرئيسية التي دخلت السوق، بطاقة تبلغ 800 ألف طن سنويًا من الصلب والمنتجات المدرفلة، مع تركيز على الصلب الهندسي الخاص.
وأشار التحليل إلى أن النشاط الاستثماري لشركات الصلب المغربية ظل محدودًا نسبيًا خلال الفترة من 2021 إلى 2025، في ظل مجموعة من الظروف الاقتصادية والسوقية، إلا أن ذلك لم يمنع الصناعة من الحفاظ على هيكل إنتاج مستقر نسبيًا.
• منظومة حماية تتجاوز الرسوم الجمركية
أكد التحليل أن الحماية التي توفرها الدولة لصناعة الصلب المغربية لا تقتصر على الإجراءات التجارية التقليدية وإنما تمتد إلى الدعم المباشر للاستثمار والمشتريات الحكومية والمعايير الفنية والإجراءات التنظيمية.
وأوضح أن ميثاق الاستثمار الجديد بموجب القانون 03-22 يتيح للمشروعات الاستثمارية الحصول على دعم مباشر من الدولة يصل إلى 30% من إجمالي النفقات الرأسمالية إلى جانب حوافز إضافية مرتبطة بإدخال التقنيات الخضراء وخلق فرص العمل.
وفي جانب المشتريات الحكومية ذكر أن المرسوم رقم 2-22-431 يلزم الجهات الحكومية والمؤسسات العامة بتخصيص ما لا يقل عن 30% من عقود المقاولات للموردين المحليين، فضلًا عن منح المنتجات المحلية أفضلية سعرية من خلال تطبيق زيادة ترجيحية بنسبة 15% على عروض الموردين الذين يعتمدون على المنتجات المستوردة.
ولفت إلى أن وزارة الصناعة والتجارة تفرض مواصفات وطنية إلزامية لعدد من منتجات الصلب من بينها حديد التسليح ولفائف الأسلاك والقطاعات، مع اشتراط الالتزام بهذه المواصفات في المناقصات الحكومية.
كما أشار إلى وجود إجراءات إدارية وفنية مرتبطة بفحص المنتجات المستوردة وإصدار شهادات المطابقة، معتبرًا أن هذه الإجراءات تمثل طبقة إضافية من القيود التي تواجه الموردين الأجانب عند دخول السوق المغربية.
• إنتاج مستقر واعتماد كبير على الواردات
وحافظ إنتاج الصلب والمنتجات المدرفلة في المغرب على استقراره نسبيًا خلال الفترة بين 2021 و2025 رغم دخول طاقات جديدة لشركة ريفا إندستريز في عام 2024 إذ عوضت هذه الزيادة إلى حد كبير، التراجع في إنتاج ( يونيفر أسييه).
وتستحوذ المنتجات الطويلة على 65% إلى 70% من إنتاج الصلب المغربي، بينما تمثل المنتجات المسطحة نحو 30% إلى 35% وهي النسبة التي تنتجها شركة (مغرب ستيل)
وفي المقابل أشار التحليل إلى أن المغرب من كبار مستوردي الصلب في أفريقيا حيث تمثل المنتجات شبه المصنعة ما بين 45% و50% من إجمالي الواردات لتلبية احتياجات مصانع الدرفلة المحلية.
وذكر أن إسبانيا تصدرت قائمة موردي الصلب إلى المغرب في 2024 بقيمة بلغت 511 مليون دولار، تلتها تركيا بـ341 مليون دولار، ثم المملكة المتحدة بـ217 مليون دولار، والصين بـ189 مليون دولار.
وأوضح أن ارتفاع قيمة الواردات في 2022 ارتبط بصورة أساسية بارتفاع أسعار الصلب العالمية، بينما جاء نمو الواردات في 2025 مدفوعًا ببدء تنفيذ الاستعدادات والمشروعات المرتبطة باستضافة كأس العالم 2030.
• إجراءات مشددة ضد الواردات
وفيما يتعلق بالتدابير التجارية فرض المغرب رسومًا إضافيًا بنسبة 19% على واردات اللفائف المدرفلة على الساخن HRC على أن يستمر تطبيقه حتى 19 يونيو 2029 مع خفضه تدريجيًا بمعدل نقطة مئوية سنويًا.
كما فرضت المملكة رسوم مكافحة إغراق على اللفائف المدرفلة على البارد القادمة من مصر بلغت 60.4% على شركة قنديل للصلب و84.39% على باقي الشركات المصرية، وكذلك رسومًا مؤقتة لمكافحة الإغراق بنسبة 50% على واردات أسلاك الحديد المجلفنة من مصر والإمارات العربية المتحدة اعتبارًا من ديسمبر 2025.
• السيارات والطاقة تقودان الطلب على الصلب المسطح
وانتقل التقرير إلى تحليل مصادر الطلب على المنتجات المسطحة موضحًا أن صناعة السيارات تمثل أحد أهم محركات النمو المستقبلية، إلى جانب قطاع الطاقة المتجددة وصناعة الأنابيب.
وأشار إلى أن إنتاج الأنابيب الفولاذية في المغرب يتراوح بين 80 ألفًا و120 ألف طن سنويًا، بينما تضم السوق عددًا من المنتجين والمستهلكين الرئيسيين للفائف المدرفلة على الساخن.
ولفت إلى أن المغرب أصبح أحد أبرز مراكز صناعة السيارات في أفريقيا، مع وصول الطاقة الإنتاجية المجمعة لمصانع السيارات إلى نحو مليون سيارة سنويًا بحلول 2025، وبلوغ معدل التوطين المحلي ما بين 65% و69%.
وذكر أن مجموعة رينو تمتلك منشأتي ملوسة في طنجة وصوماكا في الدار البيضاء، بطاقة إنتاجية مجمعة تبلغ 440 ألف سيارة سنويًا، بينما تمتلك ستيلانتس مصنعًا في القنيطرة بطاقة 400 ألف سيارة و200 ألف محرك سنويًا.
وأوضح أن نحو 90% من السيارات المجمعة في المغرب تُصدر إلى الاتحاد الأوروبي، مشيرًا إلى أن صادرات السيارات ارتفعت بنسبة 15.9% خلال يناير-مايو 2026 إلى 8.2 مليار دولار، بينما ارتفع إنتاج رينو في المغرب بنسبة 13.7% خلال النصف الأول من العام.
وفي قطاع الطاقة المتجددة، أشار إلى أن المغرب يحتل المرتبة الثانية أفريقيًا في إنتاج طاقة الرياح، وأن التوسع في مزارع الرياح يخلق طلبًا إضافيًا على الصفائح والمنتجات المسطحة الثقيلة المستخدمة في أبراج التوربينات.
• البناء والبنية التحتية المحرك الأكبر للمنتجات الطويلة
تمثل المنتجات الطويلة وفي مقدمتها حديد التسليح ولفائف الأسلاك والقطاعات ما بين 65% و70% من استهلاك الصلب في المغرب، فيما يستحوذ قطاع الإنشاءات على نحو 60% إلى 65% من الطلب المحلي.
وأشار التحليل إلى أن برنامج الدعم المباشر للسكن ADL أصبح أحد المحركات المهمة للطلب على حديد التسليح، بعدما أدى إطلاقه في يناير 2024 إلى تنشيط سوق البناء، ويمتد البرنامج حتى يناير 2029 بميزانية سنوية تبلغ نحو 1.02 مليار دولار، ويقدم دعمًا مباشرًا للمشترين النهائيين بقيم تصل إلى 7,480 و10,686 دولارًا بحسب فئة السكن.
ووفقًا للتحليل تضاعفت تراخيص البناء خلال 2024-2025 مقارنة بعام 2021، بينما تجاوزت قيمة العقارات المشتراة في إطار البرنامج 4.38 مليار دولار، وبلغت قيمة الدعم الحكومي 850 مليون دولار.
• مشروعات ضخمة تعزز استهلاك الصلب
ولفت التحليل إلى أن الطلب على الصلب المغربي لا يرتبط بالإسكان وحده إذ تشهد المملكة تنفيذ مجموعة واسعة من مشروعات البنية التحتية الكبرى، وفي مقدمة هذه المشروعات ميناء الناظور غرب المتوسط، الذي تبلغ تكلفته نحو 5.6 مليار دولار، وتصل طاقة مرحلته الأولى إلى 3-5 ملايين حاوية، مع إمكانية التوسع إلى 12 مليون حاوية.
وأشار إلى أن المشروع يضم كذلك منشآت للمنتجات النفطية بطاقة 25 مليون طن، والفحم بطاقة 7 ملايين طن، إلى جانب منطقة حرة تبلغ مساحتها الأولية 800 هكتار مع إمكانية التوسع إلى 5 آلاف هكتار.
وأكد أن أعمال الإنشاءات بالميناء استهلكت كميات ضخمة من حديد التسليح والصلب الثقيل، خصوصًا في الأرصفة وحواجز الأمواج التي يتجاوز طولها 5 كيلومترات.
وفي قطاع السكك الحديدية أشار إلى أن المغرب يسرع تنفيذ مجموعة من المشروعات استعدادًا لاستضافة كأس العالم 2030 من بينها نفق بطول 3.3 كيلومتر بين الرباط وسلا، ومحطة الدار البيضاء جنوب، وتحديث خط سيدي العايدي-مراكش بطول 210 كيلومترات.
كما تتضمن خطط النقل إنشاء خط عالي السرعة يربط القنيطرة والرباط والدار البيضاء ومراكش بطول 430 كيلومترًا وسرعة تصل إلى 320 كيلومترًا في الساعة، إلى جانب مشروع خط مراكش-أغادير بطول 230 كيلومترًا.
• المياه والغاز.. أسواق جديدة للصلب
تمثل مشروعات المياه مصدرًا إضافيًا للطلب على المنتجات الفولاذية وفي مقدمتها مشروع الطريق السيارة للمياه الذي تنفذه المملكة لنقل المياه بين الأحواض، المرحلة الأولى بين سبو وبورقراق امتدت لمسافة 66.7 كيلومتر باستخدام أنابيب فولاذية ضخمة يبلغ قطرها 3.2 متر، فيما تتواصل أعمال المرحلة التالية بين سبو وأم الربيع بطول 300 كيلومتر.
كما أشار التحليل إلى مشروع إنشاء خط أنابيب غاز بطول 120 كيلومترًا يربط حقل تندرارة بخط الغاز المغاربي-الأوروبي، بطاقة تبلغ 280 مليون متر مكعب سنويًا.
• 2027.. سوق الصلب المغربي يتجاوز 3 ملايين طن
وفي توقعاته المستقبلية، يرى GMK أن مجموعة المحركات الصناعية والاقتصادية ومشروعات البنية التحتية ستدفع سوق الصلب المغربية إلى مرحلة جديدة من النمو.
وأشار إلى أن توسعة مصنع ستيلانتس في القنيطرة سترفع طاقته إلى 535 ألف سيارة سنويًا بحلول مطلع 2027، بينما تشير تقديرات الجمعية الإسبانية لموردي مكونات السيارات إلى إمكانية تجاوز إنتاج السيارات المغربية 700 ألف سيارة سنويًا.
وفي قطاع طاقة الرياح توقع إضافة 1.1 جيجاوات من القدرات الجديدة خلال 2026، إلى جانب استمرار تنفيذ مشروعات الرياح في إطار الحصة المضمونة البالغة 4.175 جيجاوات للفترة 2025-2029.
أما في المنتجات الطويلة والأنابيب، فيتوقع استمرار الإنفاق على برنامج الدعم السكني، وتسارع مشروعات السكك الحديدية والمياه والغاز.
وخلص GMK إلى أن استهلاك الصلب في المغرب مرشح للنمو بنسبة 7% إلى 8% خلال 2026، ليصل إلى ما بين 2.75 و2.82 مليون طن.
أما في عام 2027 فتوقع التقرير أن يتجاوز الطلب المغربي على الصلب حاجز 3 ملايين طن للمرة الأولى في تاريخ المملكة مدفوعًا باستمرار مشروعات البنية التحتية والإسكان والتوسع الصناعي والاستعدادات المكثفة لاستضافة كأس العالم 2030.
إعداد_ إيهور فورونتسوف
محلل وباحث في الشؤون الاقتصادية والصناعية.
محلل في مركز GMK للدراسات والاستشارات الصناعية.




























