تركيا والعالم العربي.. تكامل صناعي يعيد رسم مستقبل الصلب
القاهرة – حوار- أماني إبراهيم
المركز الاعلامي للاتحاد العربي للحديد والصلب
تدخل صناعة الصلب العالمية مرحلة جديدة تتسارع فيها التحولات التكنولوجية والبيئية والتجارية، وتعيد معها صياغة معايير التنافس في واحدة من أهم الصناعات الاستراتيجية عالميًا، ومع تطور مسارات الإنتاج وتصاعد أهمية المواد الخام والخردة، وتقدم الرقمنة والذكاء الاصطناعي، أصبحت كفاءة الصناعة مرتبطة بقدرتها على مواكبة التحولات والاستثمار فيها.
وتأتي التجربة التركية في صدارة التجارب التي تستحق التوقف عندها بما تمتلكه من خبرة طويلة في صناعة الصلب، واعتماد واسع على أفران القوس الكهربائي، وحضور قوي في الأسواق العالمية.
ومن موقعه في قلب هذه التحولات يقدم حسن أكبولوت مدير الشؤون الفنية بجمعية منتجي الصلب التركية (TÇÜD)، قراءة متخصصة لمستقبل الصناعة، مستندًا إلى خبرة مهنية تجمع بين هندسة المعادن وصناعة الصلب، وإدارة المشتريات والمواد الخام، والفيروكرومات والمواد الحرارية، وإزالة الكربون والصلب الأخضر، والسياسات الصناعية والتنافسية العالمية، وهي خبرة تمنحه رؤية متكاملة للملفات التي تتقاطع اليوم في تحديد مستقبل صناعة الصلب.
وفي حواره مع الاتحاد العربي للحديد والصلب يضع أكبولوت ملامح المرحلة المقبلة أمام منتجي الصلب.
- في البداية بصفتكم ممثلًا لجمعية منتجي الصلب التركية كيف تقيمون دور جمعيات صناعة الصلب المهنية في دعم تطوير القطاع وتعزيز الابتكار وتمثيل مصالح الصناعة أمام صانعي السياسات؟
تمثل جمعية منتجي الصلب التركية (TÇÜD) نحو 90% من الطاقة الإنتاجية للصلب الخام في تركيا، وتعمل باعتبارها الجهة الرئيسية الممثلة لصناعة الصلب التركية.
وفي هذا الإطار تؤدي الجمعية دور حلقة الوصل بين منتجي الصلب والسلطات العامة، وتيسر الحوار البناء حول التشريعات والأطر التنظيمية والسياسات الصناعية المؤثرة في القطاع.
كما تؤدي دورًا مهمًا في تعزيز التعاون وتبادل المعرفة بين المنتجين والمنظمات الدولية، مثل الرابطة العالمية للصلب (world steel) ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) ومنظمة التجارة العالمية (WTO)، إلى جانب الجامعات والمؤسسات البحثية ومنظمات المجتمع المدني.
ولا يقتصر دور جمعيات الصناعة مثل TÇÜD، على تمثيل مصالح القطاع وإنما يشمل أيضًا توفير بيانات موثوقة عن الصناعة وبناء التوافق بين أصحاب المصلحة، ونقل أولويات القطاع بفاعلية إلى صانعي السياسات.
كما تسهم الجمعية في بلورة مواقف مشتركة للصناعة بشأن القضايا التي تؤثر بصورة مباشرة في القدرة التنافسية، ومنها السياسة التجارية، وتكاليف الطاقة، والتشريعات المناخية، وإزالة الكربون من الصناعة.
ومن خلال اللجان الفنية ومجموعات العمل المتخصصة، وبرامج التدريب المهني، تتبادل الشركات الأعضاء الخبرات وأفضل الممارسات، بما يساعد صناعة الصلب التركية على التكيف بصورة أكثر فاعلية مع تشريعات الكربون، والتحول الرقمي، والبيئة التجارية العالمية سريعة التغير.
– و ما أبرز المبادرات التي تنفذونها لدعم شركات الصلب في التحول نحو الإنتاج منخفض الكربون والامتثال للمتطلبات البيئية العالمية المتطورة؟
أدت جمعيتنا دورًا نشطًا في عدد من مبادرات إزالة الكربون ذات الأهمية الوطنية، وبالتعاون مع وزارة الصناعة والتكنولوجيا والبنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية (EBRD)، ساهمت TÇÜD في إعداد خارطة الطريق منخفضة الكربون لصناعة الصلب التركية.
كما شاركت الجمعية بصورة فاعلة إلى جانب الشركات الأعضاء، في خارطة طريق تكنولوجيا التحول الأخضر التي نسقها مجلس البحث العلمي والتكنولوجي التركي (TÜBİTAK) .
وتتركز أنشطتنا الحالية بصورة رئيسية على قضايا تشمل آلية تعديل الكربون على الحدود (CBAM)، ونظام تداول الانبعاثات في الاتحاد الأوروبي (EU ETS)، ونظام تداول الانبعاثات التركي الناشئ (TR ETS)، وتصنيفات التمويل المستدام.
وتشمل أولوياتنا التدريب على حساب الكربون، وأنظمة الرصد والإبلاغ والتحقق (MRV)، ومتطلبات إعداد تقارير CBAM، ودعم الشركات في التوافق مع التشريعات البيئية الأوروبية المتطورة؛ وتعزيز التعاون مع السلطات العامة بشأن آليات تسعير الكربون وتطوير نظام تداول الانبعاثات الوطني.
كما تشجع TÇÜD تبادل المعرفة والتعاون الدولي في مجالات تشمل كفاءة الطاقة، ودمج الطاقة المتجددة، وممارسات الاقتصاد الدائري، وتقنيات أفران القوس الكهربائي (EAF)، والحديد المختزل المباشر القائم على الهيدروجين، واحتجاز الكربون واستخدامه وتخزينه (CCUS)، وكهربة الصناعة.
ويتمثل هدفنا في التعامل مع إزالة الكربون ليس باعتبارها التزامًا تنظيميًا فحسب، وإنما كفرصة استراتيجية لتعزيز القدرة التنافسية طويلة الأجل لصناعة الصلب التركية.
– كيف تتصورون مستقبل التعاون بين جمعيات الصلب العربية ونظيراتها في تركيا في مجالات التكنولوجيا والتدريب ونقل المعرفة والاستدامة بما يعزز القدرة التنافسية لصناعة الصلب في المنطقة؟
تكمن أكبر فرص التعاون ليس في توقيع مذكرات تفاهم عامة، وإنما في إقامة شراكات محددة وموجهة نحو مشروعات تحقق نتائج قابلة للقياس، فالخبرة التركية الواسعة في صناعة الصلب باستخدام أفران القوس الكهربائي (EAF) تتكامل مع البنية التحتية الراسخة لإنتاج DRI/HBI في دول الخليج والمدعومة بمواردها الوفيرة من الغاز الطبيعي وهذا يوفر أساسًا قويًا لتعاون يحقق مصالح مشتركة.
ويمكن إنشاء أكاديميات فنية مشتركة لتوفير التعليم الهندسي والتدريب المهني مع توسيع نطاق تبادل المعرفة الفنية في مجالات صناعة الصلب القائمة على الهيدروجين، وتقنيات الإنتاج منخفض الكربون، والكهربنة، وإدارة الكربون.
كما ستسهم برامج البحث التعاونية التي تضم الجامعات والمؤسسات البحثية في تسريع الابتكار التكنولوجي وتعزيز الخبرات الإقليمية.
إضافة إلى ذلك فإن تطوير أطر مشتركة لإعداد تقارير الاستدامة وإنشاء مجموعات عمل فنية إقليمية دائمة من شأنه أن يسهم بصورة كبيرة في تعزيز القدرة التنافسية الدولية للمنطقتين.
– استنادًا إلى خبرتكم.. كيف يتعامل صانعو القرار وقادة الصناعة في قطاع الحديد والصلب التركي مع التخطيط الاستراتيجي طويل الأجل؟ وما الأولويات الرئيسية التي تقود قراراتهم في السوق العالمية شديدة التنافسية اليوم؟
يدرك صانعو القرار في مختلف أنحاء صناعة الصلب التركية الأهمية الاستراتيجية للتخطيط طويل الأجل وقد تبنوا نهجًا استباقيًا لإعداد القطاع لمواجهة تحديات المستقبل، وفي هذا السياق حددت مبادرات استراتيجية شاملة من بينها خارطة الطريق منخفضة الكربون لصناعة الصلب التركية وخارطة طريق تكنولوجيا التحول الأخضر التي جرى تنسيقها تحت قيادة وزارة الصناعة والتكنولوجيا ومجلس البحوث العلمية والتكنولوجية التركي (TÜBİTAK) يتم تحديد الاستثمارات، والتدابير السياساتية، والأولويات التكنولوجية اللازمة لتحقيق أهداف خفض الانبعاثات الكربونية والتنمية المستدامة للقطاع على المديين القصير والمتوسط والطويل وقد ساهمت جمعية منتجي الصلب التركية TÇÜD بصورة فاعلة في هذه المبادرات بالتعاون مع الشركات الأعضاء.
واليوم يتجاوز التخطيط الاستراتيجي في صناعة الصلب التركية بكثير مسألة الطاقة الإنتاجية وتحسين التكلفة، فقد أصبحت إدارة الكربون، والتشريعات البيئية، والسياسة التجارية الدولية مكونات أساسية في عملية اتخاذ القرارات داخل الشركات.
وتشمل الأولويات الاستراتيجية الحالية للصناعة تحسين كفاءة الطاقة، وتسريع إزالة الكربون، ودفع التحول الرقمي، وتنويع أسواق التصدير، وتعزيز أمن إمدادات الخردة والطاقة، والاستثمار في رأس المال البشري عالي المهارة، وزيادة إنتاج منتجات الصلب ذات القيمة المضافة العالية.
وفي بيئة الأعمال الحالية لا تتحدد الميزة التنافسية المستدامة ببساطة من خلال الطاقة الإنتاجية وإنما من خلال قدرة الشركات على التكيف سريعًا مع تطور لوائح الكربون وتغير ظروف الأسواق العالمية.
– ما أهم الدروس التي يمكن لشركات الحديد والصلب العربية الاستفادة منها من التجربة التركية في بناء صناعة قادرة على المنافسة عالميًا مع تحقيق نمو مستدام والتعامل مع التحديات الاقتصادية والبيئية؟
تمتلك تركيا واحدة من أقدم صناعات الصلب وأكثرها رسوخًا في المنطقة، فمنذ تشغيل أول مصنع متكامل للصلب في عام 1939، ظل القطاع أحد الأعمدة الصناعية الرئيسية للبلاد، وعلى مدار تطورها تبنت صناعة الصلب التركية بصورة مستمرة الابتكار التكنولوجي، وقامت بتحديث منشآتها الإنتاجية بما يتماشى مع أفضل الممارسات الدولية، ونشرت أحدث التقنيات في مختلف عملياتها.
واليوم، أصبحت الأتمتة والرقمنة والذكاء الاصطناعي والتقنيات الرقمية مدمجة بصورة متزايدة في عمليات الإنتاج والصيانة وإدارة سلاسل الإمداد، وتوضح التجربة التركية أن القدرة التنافسية طويلة الأجل تُبنى على الجمع بين الاستدامة والتميز التشغيلي والتعاون المؤسسي القوي.
وقد تكيفت الشركات التي تركز على التصدير بصورة أسرع عمومًا مع معايير الجودة الدولية ومتطلبات الشهادات واللوائح البيئية، في حين بدأت الشركات التي شرعت مبكرًا في استثمارات إزالة الكربون بالفعل في الاستفادة من تعزيز قدرتها التنافسية.
كما أسهم التعاون الوثيق بين المؤسسات الحكومية وجمعيات الصناعة والجامعات والقطاع الخاص في تعزيز مرونة الصناعة وتسريع قدرتها على الاستجابة للتحديات العالمية، وتظل القوى العاملة عالية المهارة، وتكاليف الطاقة التنافسية، والوصول الآمن إلى المواد الخام، ركائز أساسية للنجاح الصناعي طويل الأجل.
وبالنظر إلى المستقبل، فإن الخبرة التركية الواسعة في صناعة الصلب باستخدام أفران القوس الكهربائي (EAF)، إلى جانب المزايا النسبية للمنطقة العربية في موارد الغاز الطبيعي وإنتاج DRI/HBI وتطوير البنية التحتية للهيدروجين، توفر فرصًا كبيرة لإنشاء منظومة إقليمية لصناعة الصلب أكثر تنافسية واستدامة، وسيكون هذا التعاون ذا قيمة خاصة في الحد من الاضطرابات
– لديكم خبرة واسعة في هندسة المعادن والتعدين وصناعة الصلب..كيف تصفون أبرز التحولات التي شهدتها صناعة الصلب خلال العقود الماضية؟
شهدت صناعة الصلب العالمية على مدى العقود الماضية ثلاثة تحولات هيكلية رئيسية.
التحول الأول يتمثل في التطور المتسارع لتكنولوجيات صناعة الصلب فبعد أن كانت الصناعة تعتمد تاريخيًا بصورة أساسية على المصانع المتكاملة أصبحت اليوم تضم مسارات إنتاج متعددة ومتعايشة، وتطورت تكنولوجيا فرن القوس الكهربائي (EAF) التي كانت تُستخدم في السابق بصورة محدودة لإنتاج الصلب اعتمادًا على الخردة لتصبح واحدة من أسرع مسارات إنتاج الصلب نموًا خارج الصين، وتمثل حاليًا نحو ثلث إنتاج الصلب الخام عالميًا، وبالتالي أصبحت إتاحة خردة الصلب وجودتها واستدامة إمداداتها عوامل استراتيجية لا تقل أهمية عن خام الحديد.
أما التحول الثاني فيتمثل في الصعود السريع للصين لتصبح أكبر منتج للصلب في العالم ففي غضون نحو 25 عامًا أصبحت الصين مسؤولة عن أكثر من نصف إنتاج الصلب الخام العالمي وهو ما أحدث تأثيرًا جوهريًا في حركة التجارة الدولية، وتشكيل الأسعار، والنقاشات المتعلقة بفائض الطاقة الإنتاجية، وفي الوقت نفسه شهدت الصناعة عمليات اندماج واسعة وأصبحت القدرة التنافسية تعتمد بصورة متزايدة على الإمكانات التكنولوجية، والمنتجات ذات القيمة المضافة، والابتكار، وليس على حجم الإنتاج وحده.
أما التحول الثالث وربما الأكثر أهمية من الناحية الاستراتيجية، فهو انتقال الصناعة نحو إزالة الكربون فلم يعد إنتاج الصلب منخفض الكربون مجرد هدف للاستدامة بل أصبح عاملًا رئيسيًا في قرارات الاستثمار طويلة الأجل، وأصبحت الاستثمارات في مسارات الحديد المختزل المباشر–فرن القوس الكهربائي (DRI-EAF)، وتقنيات صناعة الصلب القائمة على الهيدروجين، وتقنيات احتجاز الكربون واستخدامه وتخزينه (CCUS)، وآليات تعديل الكربون على الحدود، مكونات أساسية في استراتيجيات الشركات.
وبالتوازي مع ذلك تواصل الرقمنة إعادة تشكيل الصناعة فقد أصبحت أنظمة التحكم المتقدمة في العمليات، وإدارة الجودة القائمة على الذكاء الاصطناعي، والصيانة التنبؤية، وتحسين العمليات بالاعتماد على البيانات، ممارسات أساسية في مصانع الصلب الحديثة.
– كيف تؤثر جودة الموارد المعدنية واختيار المواد الخام في كفاءة الإنتاج وجودة منتجات الصلب؟ وما أحدث الاتجاهات في هذا المجال؟
تُعد جودة المواد الخام واتساق تركيبها الكيميائي من أهم العوامل المؤثرة في الكفاءة التشغيلية، واستهلاك الطاقة، والقدرة التنافسية لصناعة الصلب.
ففي عمليات الأفران العالية تؤثر درجة الخام إلى جانب مكونات الشوائب مثل الألومينا والسيليكا بصورة مباشرة في استهلاك فحم الكوك، وتوليد الخبث، وجودة الحديد السائل، أما في إنتاج الصلب باستخدام فرن القوس الكهربائي (EAF) فقد أصبحت جودة الخردة أكثر أهمية من أي وقت مضى،نظرًا للحاجة إلى التحكم في العناصر المتبقية مثل النحاس والقصدير وهو ما يجعل تقنيات فرز الخردة ومعالجتها المسبقة من الأدوات الضرورية.
كما تؤدي الاختلافات في تركيب المواد الخام إلى زيادة نطاق التفاوتات في العملية الإنتاجية، وخفض الكفاءة التشغيلية، ورفع استهلاك الطاقة ولهذا برزت مجموعة من التقنيات التي تدعم تحسين الإنتاجية والجودة من بينها إثراء الخامات، وإنتاج كريات عالية الجودة للحديد المختزل المباشر، والتحليل العنصري المتنقل باستخدام الأشعة السينية الفلورية (XRF) ومطيافية الانهيار المستحث بالليزر (LIBS)، وأنظمة فرز الخردة المدعومة بالذكاء الاصطناعي، إلى جانب دمج بيانات مخزونات ساحات المواد الخام في الوقت الفعلي مع نماذج العمليات الرقمية.
– في ظل التقلبات العالمية في أسعار خام الحديد وخردة الصلب والفيروكرومات، كيف يمكن لمنتجي الصلب تعزيز مرونة سلاسل الإمداد والحد من المخاطر المرتبطة بها؟
شهدت أسعار خام الحديد وخردة الصلب والسبائك الحديدية تقلبات متزايدة خلال السنوات الأخيرة بفعل تغيرات الطلب العالمي، وأسواق الطاقة، والتطورات الجيوسياسية ولذلك أصبح بناء سلاسل إمداد مرنة ضرورة استراتيجية لمنتجي الصلب.
ويمكن لاتفاقيات التوريد طويلة الأجل والتكامل الرأسي في المواد الخام الحيوية أن يسهما بصورة كبيرة في الحد من التعرض لتقلبات الأسواق الفورية.
كما يمثل التنويع الجغرافي لمصادر التوريد عاملًا مهمًا ولا سيما بالنسبة للسبائك الحديدية التي يتركز إنتاجها في عدد محدود من الدول بما يساعد على تقليل الاعتماد على مورد واحد.
وتلعب المرونة التشغيلية دورًا محوريًا أيضًا فمصانع الصلب القادرة على معالجة نطاق أوسع من أنواع وجودة الخامات والخردة تستطيع تغيير الموردين بتكلفة أقل وبسرعة أكبر كما تساعد الإدارة الاستراتيجية للمخزون وأدوات التحوط المالي في الحد من آثار تقلبات الأسعار.
ومن شأن تعزيز البنية التحتية المحلية لجمع وإعادة تدوير الخردة أن يقلل الاعتماد على الواردات ويحد من المخاطر المرتبطة بقيود التصدير، كذلك تتيح أنظمة الإدارة الرقمية لسلاسل الإمداد مراقبة العمليات اللوجستية والمخزونات في الوقت الفعلي بما يسمح بالاستجابة السريعة لأي اضطرابات محتملة.
وفي النهاية، فإن شركات الصلب الأكثر قدرة على المنافسة مستقبلًا لن تكون فقط الشركات ذات الكفاءة التشغيلية العالية وإنما أيضًا تلك التي تمتلك سلاسل إمداد مرنة ورقمية وقادرة على الصمود أمام المتغيرات.
– ما التقنيات الناشئة التي تعتقدون أنها ستحدث أكبر تأثير على عمليات صناعة الصلب خلال العقد المقبل؟
خلال العقد المقبل ستتحدد القدرة التنافسية لصناعة الصلب بصورة متزايدة من خلال التقنيات القادرة في الوقت نفسه على خفض انبعاثات الكربون وتحسين كفاءة استخدام الموارد.
ومن المتوقع أن يصبح الحديد المختزل المباشر باستخدام الهيدروجين (H₂-DRI) أحد المسارات التكنولوجية الرئيسية لإنتاج الصلب الأولي مع استمرار انخفاض تكلفة الهيدروجين الأخضر، وعلى المدى القصير والمتوسط ستؤدي تقنيات احتجاز الكربون واستخدامه وتخزينه (CCUS) دورًا مهمًا كحل انتقالي لخفض الانبعاثات الناتجة عن مصانع الصلب المتكاملة.
وعلى المدى البعيد توفر تقنية التحليل الكهربائي للأكاسيد المنصهرة (MOE) إمكانات واعدة للوصول إلى إنتاج الصلب الأولي بمستويات تقترب من الحياد الكربوني.
وفي الوقت نفسه ستواصل أنظمة تحسين العمليات والتنبؤ بالجودة وإدارة الطاقة القائمة على الذكاء الاصطناعي دورها في رفع الكفاءة التشغيلية، كما يُتوقع أن تسهم تقنيات فرز الخردة المتقدمة وتطبيقات التوأم الرقمي (Digital Twin) في دعم ممارسات الاقتصاد الدائري، والصيانة التنبؤية، وتحسين العمليات بصورة شاملة.
وفي نهاية المطاف، ستتحدد الميزة التنافسية المستقبلية بمدى نجاح الشركات في نشر تقنيات منخفضة الكربون، ورقمية، وأكثر كفاءة في استخدام الموارد.
-كيف يمكن لمصنعي الصلب تحقيق التوازن بين رفع كفاءة الإنتاج وخفض انبعاثات الكربون دون المساس بقدرتهم التنافسية عالميًا؟
ينبغي التعامل مع الإنتاجية والاستدامة والقدرة التنافسية باعتبارها أهدافًا متكاملة وليست متعارضة، وبدلًا من الانتقال الفوري إلى صناعة الصلب القائمة على الهيدروجين يننبغي للمنتجين في المرحلة الأولى الاستثمار في منشآت الحديد المختزل المباشر (DRI) القائمة على الغاز الطبيعي، مع تصميم المصانع الجديدة بحيث تكون مهيأة لاستخدام الهيدروجين مستقبلًا.
وعلى المدى القريب تمثل تحسينات كفاءة الطاقة، واستعادة الحرارة المهدرة، وتكامل العمليات، والكهربنة أكثر الإجراءات فعالية من حيث التكلفة لخفض انبعاثات غازات الاحتباس الحراري.
وفي الوقت نفسه يمكن لمنتجات الصلب منخفض الكربون المعتمدة أن تحقق قيمة إضافية بما يساعد على تمويل استثمارات إزالة الكربون في الصناعة، كما أن إنشاء آليات متوازنة دوليًا لتسعير الكربون يمثل عاملًا مهمًا للحفاظ على عدالة المنافسة العالمية.
ومع ذلك لا يمكن للإنتاج منخفض الكربون أن يحل محل التميز التشغيلي، ومن المتوقع أن تتمتع الشركات القادرة على الجمع بين جودة المنتجات، وتنافسية التكلفة، وكفاءة الإنتاج، والتقدم المستمر في إزالة الكربون، بأقوى موقع تنافسي على المدى الطويل.
– بصفتكم متخصصًا في إزالة الكربون والصلب الأخضر كيف تقيمون استعداد منتجي الحديد والصلب في المنطقة العربية للتحول نحو إنتاج الصلب منخفض الكربون
تختلف مستويات الاستعداد بصورة كبيرة بين دول المنطقة العربية وتتمثل أبرز نقاط القوة في توافر موارد الغاز الطبيعي بأسعار تنافسية ووجود قاعدة قائمة لإنتاج الحديد المختزل المباشر (DRI)، إلى جانب الإمكانات الكبيرة للطاقة المتجددة، كما أن حداثة العديد من مصانع الصلب نسبيًا توفر أساسًا مناسبًا لتبني تقنيات منخفضة الكربون.
لكن البنية التحتية الداعمة لهذا التحول لا تزال غير مكتملة في العديد من الدول بما في ذلك إنتاج الهيدروجين الأخضر، وأنظمة الرصد والإبلاغ والتحقق (MRV)، وآليات قوية لحساب الانبعاثات والتحقق منها، كما لا تزال أدوات السياسات مثل أطر تسعير الكربون وآليات تمويل الاستثمارات واسعة النطاق في إزالة الكربون في طور التطور.
ولتحويل هذه المزايا الهيكلية إلى صناعة صلب منخفضة الكربون وقادرة على المنافسة عالميًا سيكون من الضروري تسريع الاستثمارات في البنية التحتية للهيدروجين، وأنظمة حساب الكربون، وأطر الرصد والإبلاغ والتحقق المتوافقة مع المعايير الدولية.
-كيف تقيمون تأثير آلية تعديل الكربون على الحدود الأوروبية (CBAM) على مستقبل صادرات الصلب من الدول العربية؟ وما الخطوات التي ينبغي للشركات اتخاذها للاستعداد لتطبيقها؟
يمثل تغير المناخ والاحتباس الحراري تحديين عالميين يتطلبان تحركًا دوليًا منسقًا ومسؤولية جماعية، وفي حين تدعم صناعة الصلب التركية بصورة كاملة الأهداف المناخية للاتحاد الأوروبي فإنها تؤكد باستمرار ضرورة ألا تتحول آلية تعديل الكربون على الحدود (CBAM) إلى حاجز تجاري غير جمركي أو أداة تشوه المنافسة الدولية العادلة، وفي هذا السياق أثارت بعض المواقف التي تتبناها الرابطة الأوروبية للصلب (EUROFER) مخاوف داخل صناعة الصلب التركية، وبالمثل لا ترى الصناعة أن المبادرات الرامية إلى تقييد التجارة الدولية في خردة الصلب من خلال تدابير تنظيمية مثل لائحة شحن النفايات (WSR) والسياسات المرتبطة بالمواد الخام الحرجة تمثل إجراءات تسهم بفاعلية في حماية المناخ.
ومع التطبيق الكامل لـCBAM، ستعتمد تكلفة الكربون المرتبطة بالصادرات إلى الاتحاد الأوروبي بصورة متزايدة على انبعاثات غازات الاحتباس الحراري التي يتم التحقق منها على مستوى المنشأة، وقد يمنح ذلك ميزة تنافسية للمنتجين الذين يعتمدون على مسارات DRI-EAF القائمة على الغاز الطبيعي، وفي المقابل قد تتحمل الشركات غير القادرة على تقديم بيانات انبعاثات يتم التحقق منها بصورة مستقلة تكاليف إضافية نتيجة تطبيق قيم الانبعاثات الافتراضية.
وفي حال توسع نطاق CBAM ليشمل منتجات الصلب النهائية، فمن المتوقع أن تصبح التزامات الامتثال أكثر شمولًا، لذلك ينبغي للمنتجين تعزيز أنظمة MRV وفقًا للمعايير المعترف بها دوليًا، وتسريع الاستثمارات في تقنيات خفض الانبعاثات، والحفاظ على تعاون وثيق مع العملاء الأوروبيين طوال عملية الامتثال، ومن ثم ينبغي النظر إلى CBAM اليوم ليس باعتبارها أداة للسياسة البيئية فحسب وإنما كعامل رئيسي يؤثر في القدرة التنافسية الصناعية العالمية.
– ما الدور الذي يمكن أن تلعبه الرقمنة والذكاء الاصطناعي وتحليلات البيانات في تحسين الكفاءة التشغيلية وخفض استهلاك الطاقة وتعزيز جودة المنتجات في مصانع الصلب؟
أصبحت الرقمنة والذكاء الاصطناعي من المحركات الأساسية للقدرة التنافسية في صناعة الصلب، يسهم تحسين العمليات باستخدام الذكاء الاصطناعي في خفض استهلاك الطاقة مع رفع الإنتاجية وتحسين جودة المنتجات في الوقت نفسه، كما تقلل الصيانة التنبؤية من التوقفات غير المخطط لها، بينما يسهم التعلم الآلي في تعزيز ضمان الجودة من خلال تحسين التنبؤ بالعمليات والعيوب.
وقد أثبتت أنظمة إدارة الطاقة المتقدمة فاعليتها خصوصًا في خفض تكاليف التشغيل بمنشآت أفران القوس الكهربائي (EAF)، كما تتيح تحليلات البيانات المتقدمة للمنتجين إدارة التباين في المواد الخام بصورة أفضل، بينما تسمح تقنيات التوأم الرقمي بمحاكاة سيناريوهات الإنتاج وتحسينها في بيئة افتراضية قبل تنفيذها فعليًا.
وبالنظر إلى المستقبل لن تعتمد الميزة التنافسية فقط على امتلاك التقنيات المتقدمة وإنما ستعتمد بصورة متزايدة على القدرة على تحويل البيانات التشغيلية عالية الجودة إلى قرارات إنتاج سريعة وفعالة.
– كيف تنظرون إلى آفاق التعاون بين تركيا والدول العربية في مجالات التعدين وصناعة الصلب ونقل التكنولوجيا وتطوير القوى العاملة؟
هناك إمكانات كبيرة للتعاون المتبادل والمفيد بين تركيا والدول العربية فالخبرة التركية الواسعة في صناعة الصلب باستخدام أفران القوس الكهربائي (EAF) وتحسين العمليات تتكامل مع المزايا النسبية التي تتمتع بها العديد من الدول العربية في إنتاج الحديد المختزل المباشر (DRI) والحديد المقولب على الساخن (HBI)، إلى جانب الإمكانات الناشئة لإنتاج الهيدروجين الأخضر، ويمكن لهذه المزايا مجتمعة أن تسرّع بصورة كبيرة إزالة الكربون من صناعة الصلب في المنطقة.
كما يمكن تطوير سلاسل إمداد إقليمية للتعدين والمواد الخام، في حين تتمتع شركات الهندسة التركية بمكانة جيدة تتيح لها المساهمة في تصميم وإنشاء منشآت جديدة لصناعة الصلب منخفض الكربون.
ويمكن لبرامج التعليم المشتركة، ومبادرات البحث التعاوني، وتبادل المعرفة الفنية، والشراكات الصناعية، أن تعزز تنمية رأس المال البشري عالي المهارة، كما يمكن للمشروعات التعاونية التي تركز على الامتثال لـCBAM، وتقارير الاستدامة، وإدارة الكربون، أن تعزز القدرة التنافسية الدولية للمنطقتين، ويتطلب تحقيق هذه الأهداف إقامة مشروعات مشتركة، وتنسيق المعايير الفنية، وتطوير أنظمة شهادات معترف بها دوليًا.
– استنادًا إلى خبرتكم الفنية والتنفيذية الواسعة ما أهم التوصيات التي تقدمونها لشركات الحديد والصلب العربية لتعزيز قدرتها التنافسية عالميًا والاستعداد لمستقبل الصناعة؟
تتمثل الأولوية الأولى في إنشاء بنية تحتية شاملة لقياس انبعاثات غازات الاحتباس الحراري والإبلاغ عنها والتحقق منها (MRV)، ومع الحفاظ على المزايا التنافسية لإنتاج الحديد المختزل المباشر القائم على الغاز الطبيعي ينبغي للشركات أن تبدأ من الآن في الاستعداد للانتقال التدريجي نحو اقتصاد قائم على الهيدروجين في صناعة الصلب.
كما ينبغي تعزيز سلاسل إمداد خردة الصلب وغيرها من المواد الخام الحيوية، والنظر إلى الرقمنة باعتبارها عاملًا استراتيجيًا لرفع الإنتاجية وتحقيق التميز التشغيلي وتحسين كفاءة استخدام الموارد، وسيسهم التوسع في إنتاج الصلب منخفض الكربون المعتمد والمنتجات ذات القيمة المضافة الأعلى في فتح أسواق جديدة وخلق مزايا تنافسية مستدامة.
ولا يقل الاستثمار في رأس المال البشري الماهر أهمية عن ذلك، وفي الوقت نفسه ينبغي للشركات متابعة التطورات المتعلقة بتسعير الكربون، والتمويل الأخضر، وتطبيق CBAMوغيرها من اللوائح المناخية والبيئية الناشئة.
وأخيرًا فإن تنويع أسواق التصدير وإقامة شراكات استراتيجية طويلة الأجل سيعززان مرونة الشركات ويدعمان قدرتها التنافسية المستدامة على المستوى الدولي.


























