بقلم إيهور فورونتسوف
كاتب ومحلل لدى مركز جي إم كي، وينشر المركز تحليلات ودراسات متخصصة في أسواق الحديد والصلب والمواد الخام واتجاهات صناعة المعادن والأسواق العالمية والإقليمية.
يتجه استهلاك الصلب في ليبيا بنهاية عام 2026 إلى تسجيل أعلى مستوى له خلال 15 عامًا، ليصل إلى نحو 1.4 إلى 1.5 مليون طن، وفق تحليل للخبير إيهور فورونتسوف نشره مركز جي إم كي. ومن المتوقع أن تغطي الشركة الليبية للحديد والصلب «ليسكو» نحو 1.15 إلى 1.25 مليون طن من الطلب، بينما ستغطي الواردات الفجوة المتبقية البالغة نحو 300 إلى 350 ألف طن. ويربط التحليل هذه القفزة بتحسن الاستقرار السياسي، وغياب الحصارات عن موانئ تصدير النفط، وعودة الشركات الأجنبية إلى النشاط، وإقرار ميزانية وطنية مشتركة لعام 2026 بين السلطات في طرابلس وبنغازي، ما أتاح إعادة تشغيل آبار قائمة وإطلاق مشروعات جديدة في قطاعي النفط والبنية التحتية.
انتعاش مرهون بالاستقرار الأمني والدعم الحكومي
رغم التحسن القوي في الطلب، يرى التحليل أن الانتعاش يظل هشًا ومؤقتًا، في ظل استمرار الخلافات السياسية بين الأطراف المتنافسة في ليبيا. ويشير فورونتسوف إلى أن عودة الأعمال القتالية قد تعيد مبيعات الصلب إلى مستوياتها السابقة، بما يجعل النمو الحالي مرتبطًا باستمرار الاستقرار وعودة النشاط الاقتصادي. وفي الوقت نفسه، تحصل الشركة الليبية للحديد والصلب على دعم حكومي من خلال التمويل والطاقة وآليات حماية السوق المحلية. وتمول بنوك حكومية، من بينها مصرف الصحراء ومصرف الجمهورية، برامج الاستثمار الرئيسية للشركة بفوائد تقترب من الصفر، بينما تحدد الحكومة أسعار الغاز والكهرباء لكبار الصناعات الحكومية عند مستويات منخفضة. كما تحصل «ليسكو» على أولوية في المشتريات الحكومية، إلى جانب وجود قيود غير جمركية على الواردات من خلال نظام تراخيص الاستيراد وصعوبة حصول المستوردين على العملات الأجنبية بالسعر الرسمي، ما يقلل جدوى استيراد كميات كبيرة من منتجات الصلب المنافسة.
ليسكو تقود الإنتاج المحلي
تعد الشركة الليبية للحديد والصلب، ومقرها مصراتة وتمتلك ميناءً بحريًا عميقًا، المنتج الرئيسي للصلب في ليبيا. وتعتمد على تكنولوجيا الاختزال المباشر للحديد بالغاز الطبيعي وأفران القوس الكهربائي، وتبلغ طاقاتها الإنتاجية السنوية نحو 1.7 مليون طن من الحديد المختزل المباشر، و800 ألف طن من حديد التسليح ومطروقات الأسلاك، و120 ألف طن من القطاعات الخفيفة والمتوسطة، و580 ألف طن من المسطحات المدرفلة على الساخن، و140 ألف طن من المسطحات المدرفلة على البارد، إضافة إلى 80 ألف طن من الصاج المجلفن و40 ألف طن من الصاج المطلي. وبلغ إجمالي استثمارات الشركة خلال الفترة من 2021 إلى 2025 نحو 150 مليون دولار، ووجهت إلى أعمال الصيانة وإعادة التأهيل، كما وقعت في 2025 عقدًا مع شركة إس إم إس جروب الألمانية لتحديث مجمع الدرفلة، إلى جانب اتفاق مع شركة بيتيك إنرجي لمشروعات كفاءة الطاقة وخفض الانبعاثات.
انتعاشة الطلب بقيادة قطاعي الطاقة و التشييد
ينحصر الاستهلاك في ليبيا بين قطاعين رئيسيين في ظل غياب تام لأي صناعات تحويلية كبرى كصناعة السيارات أو هياكل طاقة الرياح، وهما قطاع النفط والغاز وقطاع التشييد والبنية التحتية
تمثل منتجات الصلب المسطح نحو 30% من مبيعات الصلب في ليبيا، بينما يعد قطاع النفط والغاز المستهلك الرئيسي لهذه المنتجات. وارتفع إنتاج النفط الليبي خلال 2025 إلى أعلى مستوى له في 12 عامًا، بينما تراوح الإنتاج بين 1.35 و1.43 مليون برميل يوميًا خلال النصف الأول من 2026، مع استهداف الوصول إلى 1.5 مليون برميل يوميًا بنهاية العام.
ومع عودة نشاط الشركات الأجنبية، استأنفت شركات إيني الإيطالية، وريپسول الإسبانية، وتوتال إنرجيز الفرنسية، وأو إم في النمساوية عملياتها في ليبيا إلى جانب المؤسسة الوطنية للنفط، خاصة في حقلي حمادة وسينافان. ويعتمد قطاع النفط بالكامل على استيراد أنابيب أو سي تي جي، لعدم إنتاج الشركة الليبية للحديد والصلب هذه النوعية بالمواصفات المطلوبة، وتأتي الإمدادات من تركيا والصين والاتحاد الأوروبي. كما يتزايد الطلب على الأنابيب الملحومة وغير الملحومة، ولفائف الصلب المدرفلة على الساخن المستخدمة في خزانات التخزين ومنشآت المصافي وهياكل وممرات الأنابيب ومنشآت العمليات.
ويتزامن ذلك مع مشروع تطوير الغاز البحري الذي تنفذه شركة مليتة للنفط والغاز، وهي مشروع مشترك بين المؤسسة الوطنية للنفط وشركة إيني، باستثمارات تبلغ نحو 8 مليارات دولار، ويشمل إنشاء منصات حفر وخط أنابيب بحري للغاز بطول 110 كيلومترات ومرافق لتخزين المنتجات السائلة.
فيما يمثل قطاع البناء السكني نحو نصف استهلاك ليبيا من الصلب، ويتركز الطلب فيه على حديد التسليح ومطروقات الأسلاك. وتصل نسبة المساكن المبنية ذاتيًا ومن دون تراخيص إلى 70%–80% من إجمالي المساكن، بينما تقل حصة الإسكان المركزي الممول من الدولة عن 1%، مع استمرار تجميد مشروعات الإسكان الكبرى التي جرى التخطيط لها قبل عام 2011.
أما البنية التحتية، فتشهد تحركًا واسعًا بعد اعتماد الميزانية الوطنية المشتركة. ومن أبرز المشروعات إعادة تأهيل منظومة النهر الصناعي العظيم، التي توفر أكثر من 70% من إمدادات المياه في ليبيا، ووصل معدل ضخها إلى مليون متر مكعب يوميًا في يوليو 2026، وهو أعلى مستوى منذ 2011. ويتطلب تحديث المنظومة كميات كبيرة من الأنابيب الفولاذية والخرسانية والصفائح المدرفلة.
وتشمل مشروعات البنية التحتية أيضًا إعادة إعمار وتحديث مطاري طرابلس وبنغازي، إذ تبلغ قيمة مشروع مطار بنغازي نحو 1.3 مليار دولار وتصل طاقته المستهدفة إلى 15 مليون مسافر سنويًا، بينما يستهدف مطار طرابلس طاقة تصل إلى 16 مليون مسافر، وتنُفذ أعمال إعادة الإعمار بواسطة شركة يو سي سي القابضة القطرية. كما يشمل المشهد مشروع الطريق الدائري الثالث في طرابلس بقيمة 800 مليون دولار، بطول 23.8 كيلومتر ويتضمن 14 تقاطعًا متعدد المستويات، وتنفذه شركتا أوراسكوم للإنشاءات ورواد للهندسة الحديثة ضمن ائتلاف مصري. ويجري كذلك تنفيذ أجزاء من طريق إمساعد–رأس أجدير الممتد لمسافة 1,700 كيلومتر، إلى جانب البرنامج الوطني لبناء وتجديد 20 مستشفى حتى عام 2027.
خريطة الإمدادات الخارجية
رغم هيمنة «ليسكو» على السوق المحلية، فإن إنتاجها لا يغطي جميع الاحتياجات، خصوصًا الدرجات والمقاسات والطلاءات المتخصصة من الصلب المسطح والمنتجات المستخدمة في قطاع النفط والغاز. وبلغت قيمة إمدادات تركيا إلى ليبيا نحو 280 مليون دولار في 2024، لتصبح المورد الأكبر، خصوصًا من المنتجات الطويلة وحديد التسليح. وحلت مصر ثانيًا بقيمة 150 مليون دولار، بينما جاءت الصين بقيمة 92 مليون دولار، بوصفها موردًا رئيسيًا للهياكل الفولاذية ومنتجات الصلب المسطح والأنابيب. وبلغت إمدادات إسبانيا 45 مليون دولار، وتركزت في منتجات مسطحة متخصصة وأنابيب لقطاع النفط والغاز، بينما بلغت إمدادات تونس 25 مليون دولار.
وبناءً على تحسن إنتاج النفط وعودة الشركات الأجنبية واستمرار الاستقرار السياسي وتفعيل مشروعات البنية التحتية، يتوقع التحليل ارتفاع استهلاك الصلب الليبي إلى 1.4–1.5 مليون طن بنهاية 2026، وإن يظل هذا النمو رهن الاستقرار السياسي والأمني بالبلاد و كذلك استمرار الدعم الحكومي والحمائي للصناعة.


























