القاهرة-أماني ابراهيم
المركز الاعلامي للاتحاد العربي للحديد والصلب
تدخل صناعة الصلب مرحلة تتغير فيها قواعد المنافسة مع صعود تقنيات الإنتاج منخفض الكربون، وتزايد أهمية الخردة والمواد الخام، واتساع دور الذكاء الاصطناعي والرقمنة بالتزامن مع تشدد المتطلبات التجارية والبيئية في الأسواق العالمية.
وفي قراءة متخصصة لهذه التحولات يرى حسن أكبولوت مدير الشؤون الفنية بجمعية منتجي الصلب التركية أن القدرة الإنتاجية لم تعد وحدها معيارًا كافيًا لقياس قوة صناعة الصلب مشيراً إلى أن التنافسية المستقبلية ستعتمد على مزيج من التكنولوجيا، وأمن المواد الخام والطاقة، والكفاءة التشغيلية، والقدرة على خفض الانبعاثات والتكيف السريع مع تغيرات الأسواق والتشريعات.
ويمتلك أكبولوت خبرة فنية وتنفيذية تمتد عبر هندسة المعادن وصناعة الصلب والمشتريات والمواد الخام والفيروكرومات والمواد الحرارية، إلى جانب تخصصه في إزالة الكربون والصلب الأخضر والسياسات الصناعية والتنافسية العالمية، ما يضعه عند تقاطع عدد من الملفات الأكثر تأثيرًا في مستقبل الصناعة.
ويستعرض أكبولوت في حوار مع الاتحاد العربي للحديد والصلب التحولات التي شهدتها الصناعة العالمية من تطور أفران القوس الكهربائي وصعود أهمية الخردة، إلى التحول نحو مسارات الحديد المختزل المباشر وفرن القوس الكهربائي (DRI-EAF) والهيدروجين واحتجاز الكربون، مؤكداً أن الرقمنة والذكاء الاصطناعي باتا جزءاً أساسياً من تحسين الإنتاج والصيانة وإدارة سلاسل الإمداد.
كما يضع تجربة صناعة الصلب التركية في سياق أوسع موضحاً أن التعاون بين تركيا والدول العربية يمكن أن ينتقل من تبادل الخبرات إلى مشروعات صناعية محددة وقابلة للقياس مستفيداً من خبرة تركيا في أفران القوس الكهربائي، ومن قدرات دول عربية في إنتاج الحديد المختزل المباشر والحديد المقولب على الساخن، إلى جانب إمكانات الطاقة المتجددة والهيدروجين.
ويولي أكبولوت اهتماماً خاصاً بآلية تعديل الكربون على الحدود الأوروبية (CBAM)، معتبراً أن إدارة الكربون وقياس الانبعاثات والتحقق منها ستصبح عوامل مباشرة في القدرة التنافسية للصادرات، داعياً المنتجين إلى بناء أنظمة قوية للرصد والإبلاغ والتحقق، وتسريع الاستثمار في خفض الانبعاثات والمنتجات منخفضة الكربون.
ومن منظور أوسع يرى أن مستقبل الصناعة لن يُبنى فقط داخل مصانع الصلب بل عبر منظومة متكاملة تشمل المواد الخام، والطاقة، والتكنولوجيا، والبيانات، والكوادر البشرية، وسلاسل الإمداد والشراكات الصناعية.
وفي هذا السياق يطرح أكبولوت مجموعة من الأولويات أمام المنتجين العرب في مقدمتها تأمين الخردة والمواد الخام، وتسريع الرقمنة، والاستعداد التدريجي للهيدروجين، وتطوير المنتجات ذات القيمة المضافة، وتنويع أسواق التصدير وبناء شراكات استراتيجية طويلة الأجل.
الحوار الكامل مع حسن أكبولوت يفتح قراءة أوسع لمستقبل صناعة الصلب، وما الذي تحتاجه الشركات العربية للانتقال من إدارة التحولات إلى استثمارها في بناء ميزة تنافسية جديدة.
وتكشف رؤية أكبولوت أن التحول الذي تشهده صناعة الصلب لا يتعلق بتغيير تكنولوجيا الإنتاج فقط، وإنما بإعادة بناء منظومة الصناعة بالكامل فالمواد الخام أصبحت عنصراً استراتيجياً في تحديد القدرة التنافسية، وأصبحت جودة الخردة وإمداداتها إلى جانب أمن الطاقة عوامل مؤثرة في قرارات الاستثمار والإنتاج بقدر أهمية كفاءة المصانع نفسها.
وفي المقابل، يفتح التطور التكنولوجي مجالاً واسعاً أمام المنتجين لتحسين الأداء وخفض التكاليف والانبعاثات في الوقت نفسه من خلال الرقمنة والذكاء الاصطناعي والصيانة التنبؤية وتحسين استهلاك الطاقة، وصولاً إلى تقنيات DRI القائمة على الهيدروجين واحتجاز الكربون.
ويرى أكبولوت أن المنطقة العربية تمتلك مقومات مهمة للدخول بقوة في هذه المرحلة بفضل توافر الغاز الطبيعي وإنتاج DRI/HBI وإمكانات الطاقة المتجددة، بينما توفر الخبرة التركية في أفران القوس الكهربائي والهندسة وتحسين العمليات مجالاً واسعاً للتكامل.
وتبقى الخطوة الأهم هي تحويل هذه المزايا إلى مشروعات وشراكات فعلية تشمل التكنولوجيا والتدريب والمواد الخام وتطوير المنتجات منخفضة الكربون، فمع تغير قواعد التجارة وارتفاع متطلبات الكربون، ستصبح قدرة صناعة الصلب العربية على بناء منظومة متكاملة ومرنة أحد أهم محددات حضورها في الأسواق العالمية خلال السنوات المقبلة.























